فصل: تفسير الآيات رقم (1- 3)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير ***


تفسير الآيات رقم ‏[‏106- 111‏]‏

‏{‏مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ‏(‏106‏)‏ ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآَخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ‏(‏107‏)‏ أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ ‏(‏108‏)‏ لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآَخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ ‏(‏109‏)‏ ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ‏(‏110‏)‏ يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ‏(‏111‏)‏‏}‏

قوله‏:‏ ‏{‏مَن كَفَرَ بالله مِن بَعْدِ إيمانه‏}‏ قد اختلف أهل العلم في إعرابه، فذهب الأكثرون على أنه بدل إما من ‏{‏الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بآيات الله‏}‏ وما بينهما اعتراض، والمعنى‏:‏ إنما يفتري الكذب من كفر، واستثنى منهم المكره، فلا يدخل تحت حكم الافتراء‏.‏ ثم قال‏:‏ ‏{‏ولكن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا‏}‏ أي‏:‏ اعتقده وطابت به نفسه واطمأن إليه ‏{‏فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ‏}‏ وإما من المبتدأ الذي هو ‏{‏أولئك‏}‏ أو من الخبر الذي هو ‏{‏الكاذبون‏}‏‏.‏ وذهب الزجاج إلى الأوّل‏.‏ وقال الأخفش‏:‏ إن ‏{‏من‏}‏ مبتدأ وخبره محذوف اكتفي منه بخبر ‏{‏من‏}‏ الثانية، كقولك‏:‏ من يأتنا منكنّ نكرمه‏.‏ وقيل‏:‏ هو أي‏:‏ ‏{‏من‏}‏ في ‏{‏من كفر‏}‏ منصوب على الذمّ؛ وقيل‏:‏ إن من شرطية والجواب محذوف لأن جواب «من شرح» دالّ عليه، وهو كقول الأخفش، وإنما خالفه في إطلاق لفظ الشرط على من والجواب على خبرها، فكأنه قيل على هذا من كفر بالله فعليهم غضب إلاّ من أكره، ولكن من شرح بالكفر صدراً فعليهم غضب، وإنما صح استثناء المكره من الكافر مع أنه ليس بكافر لأنه ظهر منه بعد الإيمان ما لا يظهر إلاّ من الكافر لولا الإكراه‏.‏

قال القرطبي‏:‏ أجمع أهل العلم على أن من أكره على الكفر حتى خشي على نفسه القتل أنه لا إثم عليه إن كفر وقلبه مطمئن بالإيمان، ولا تبين منه زوجته، ولا يحكم عليه بحكم الكفر‏.‏ وحكي عن محمد بن الحسن أنه إذا أظهر الكفر، كان مرتداً في الظاهر، وفيما بينه وبين الله على الإسلام، وتبين منه امرأته، ولا يصلى عليه إن مات، ولا يرث أباه إن مات مسلماً، وهذا القول مردود على قائله، مدفوع بالكتاب والسنّة‏.‏ وذهب الحسن البصري، والأوزاعي، والشافعي، وسحنون إلى أن هذه الرخصة المذكورة في هذه الآية إنما جاءت في القول‏.‏ وأما في الفعل فلا رخصة، مثل أن يكره على السجود لغير الله، ويدفعه ظاهر الآية، فإنها عامة فيمن أكره من غير فرق بين القول والفعل، ولا دليل لهؤلاء القاصرين للآية على القول، وخصوص السبب، لا اعتبار به مع عموم اللفظ كما تقرر في علم الأصول‏.‏

وجملة ‏{‏وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بالإيمان‏}‏ في محل نصب على الحال من المستثنى، أي‏:‏ إلا من كفر بإكراه، والحال أن قلبه مطمئن بالإيمان لم تتغير عقيدته، وليس بعد هذا الوعيد العظيم، وهو الجمع للمرتدين، بين غضب الله وعظيم عذابه‏.‏

والإشارة بقوله‏:‏ ‏{‏ذلك‏}‏ إلى الكفر بعد الإيمان، أو إلى الوعيد بالغضب والعذاب، والباء في ‏{‏بِأَنَّهُمُ استحبوا الحياة الدنيا‏}‏ للسببية، أي‏:‏ ذلك بسبب تأثيرهم للحياة الدنيا ‏{‏على الآخرة وَأَنَّ الله لاَ يَهْدِى القوم الكافرين‏}‏ معطوف على ‏{‏أَنَّهُمْ استحبوا‏}‏ أي‏:‏ ذلك بأنهم استحبوا، وبأن الله لا يهدي القوم الكافرين إلى الإيمان به‏.‏

ثم وصفهم بقوله‏:‏ ‏{‏أولئك‏}‏ أي‏:‏ الموصوفون بما ذكر من الأوصاف القبيحة ‏{‏الذين طَبَعَ الله على قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وأبصارهم‏}‏ فلم يفهموا المواعظ ولا سمعوها، ولا أبصروا الآيات التي يستدل بها على الحق‏.‏ وقد سبق تحقيق الطبع في أوّل البقرة، ثم أثبت لهم صفة نقص غير الصفة المتقدّمة، فقال‏:‏ ‏{‏وَأُولَئِكَ هُمُ الغافلون‏}‏ عما يراد بهم، وضمير الفصل يفيد أنهم متناهون في الغفلة، إذ لا غفلة أعظم من غفلتهم هذه‏.‏

‏{‏لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِى الآخرة هُمُ الخاسرون‏}‏ أي‏:‏ الكاملون في الخسران، البالغون إلى غاية منه ليس فوقها غاية، وقد تقدّم تحقيق الكلام في معنى ‏{‏لاَ جَرَمَ‏}‏ في مواضع، منها ما هو في هذه السورة‏.‏

‏{‏ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجروا‏}‏ من دار الكفر إلى دار الإسلام، وخبر ‏"‏ إن ‏"‏ محذوف، والتقدير‏:‏ لغفور رحيم، وإنما حذف لدلالة خبر ‏{‏إن ربك‏}‏ المتأخرة عليه‏.‏ وقيل‏:‏ الخبر هو ‏{‏للذين هاجروا‏}‏ أي‏:‏ إن ربك لهم بالولاية والنصرة لا عليهم، وفيه بعد‏.‏ وقيل‏:‏ إن خبرها هو قوله ‏{‏لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ‏}‏، و‏{‏إن ربك‏}‏ الثانية تأكيد للأولى‏.‏ قال في الكشاف‏:‏ «ثم» ها هنا للدلالة على تباعد حال هؤلاء، يعني‏:‏ الذين نزلت الآية فيهم عن حال أولئك، وهم عمار وأصحابه، ويدل على ذلك ما روي أنها نزلت في عبد الله بن أبي سرح، وسيأتي بيان ذلك ‏{‏مِن بَعْدِ مَا فُتِنُواْ‏}‏ أي‏:‏ فتنهم الكفار بتعذيبهم لهم ليرجعوا في الكفر، وقرئ ‏"‏ فتنوا ‏"‏ على البناء للفاعل، أي‏:‏ الذين فتنوا المؤمنين وعذبوهم على الإسلام ‏{‏ثُمَّ جاهدوا‏}‏ في سبيل الله ‏{‏وصبروا‏}‏ على ما أصابهم من الكفار، وعلى ما يلقونه من مشاق التكليف ‏{‏لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ‏}‏ أي‏:‏ كثير الغفران والرحمة لهم‏.‏

ومعنى الآية على قراءة من قرأ ‏"‏ فتنوا ‏"‏ على البناء للفاعل واضح ظاهر، أي‏:‏ إن ربك لهؤلاء الكفار الذين فتنوا من أسلم وعذبوهم، ثم جاهدوا وصبروا لغفور رحيم‏.‏ وأما على قراءة البناء للمفعول وهي قراءة الجمهور، فالمعنى‏:‏ أن هؤلاء المفتونين الذين تكلموا بكلمة الكفر مكرهين وصدورهم غير منشرحة للكفر إذا صلحت أعمالهم وجاهدوا في الله وصبروا على المكاره لغفور لهم، رحيم بهم‏.‏ وأما إذا كان سبب الآية هذه هو عبد الله بن أبي سرح الذي ارتدّ عن الإسلام ثم رجع بعد ذلك إلى الإسلام، فالمعنى‏:‏ أن هذا المفتون في دينه بالردّة إذا أسلم وجاهد وصبر، فالله غفور له، رحيم به‏.‏ والضمير في ‏{‏بعدها‏}‏ يرجع إلى الفتنة، أو إلى المهاجرة والجهاد والصبر، أو إلى الجميع‏.‏

‏{‏يَوْمَ تَأْتِى كُلُّ نَفْسٍ تجادل عَن نَّفْسِهَا‏}‏ قال الزجاج‏:‏ ‏{‏يوم تأتي‏}‏ منتصب بقوله‏:‏ ‏{‏رحيم‏}‏، أو بإضمار اذكر، أو ذكرهم، أو أنذرهم، وقد استشكل إضافة ضمير النفس إلى النفس، ولا بدّ من التغاير بين المضاف والمضاف إليه‏.‏

وأجيب بأن المراد بالنفس الأولى‏:‏ جملة بدن الإنسان، وبالنفس الثانية‏:‏ الذات، فكأن قيل‏:‏ يوم يأتي كل إنسان يجادل عن ذاته، لا يهمه غيرها‏.‏ ومعنى المجادلة عنها الاعتذار عنها، فهو مجادل ومخاصم عن نفسه، لا يتفرّغ لغيرها يوم القيامة‏.‏

وقد أخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن ابن عباس قال‏:‏ لما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يهاجر إلى المدينة قال لأصحابه‏:‏ «تفرّقوا عني، فمن كانت به قوّة فليتأخر إلى آخر الليل، ومن لم تكن به قوّة فليذهب في أوّل الليل، فإذا سمعتم بي قد استقرّت بي الأرض فألحقوا بي»، فأصبح بلال المؤذن، وخباب، وعمار، وجارية من قريش كانت أسلمت، فأخذهم المشركون وأبو جهل، فعرضوا على بلال أن يكفر فأبى، فجعلوا يضعون درعاً من حديد في الشمس، ثم يلبسونها إياه، فإذا ألبسوها إياه، قال‏:‏ أحد أحد، وأما خباب، فجعلوا يجرّونه في الشوك، وأما عمار، فقال لهم كلمة أعجبتهم تقية، وأما الجارية فوتد لها أبو جهل أربع أوتاد، ثم مدّها فأدخل الحربة في قبلها حتى قتلها، ثم خلوا عن بلال وخباب وعمار، فلحقوا برسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبروه بالذي كان من أمرهم، واشتدّ على عمار الذي كان تكلم به‏.‏ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم «كيف كان قلبك حين قلت الذي قلت‏؟‏ أكان منشرحاً بالذي قلت أم لا»‏؟‏ قال لا، فأنزل الله ‏{‏إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بالإيمان‏}‏‏.‏

وأخرج عبد الرزاق، وابن سعد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي، وابن عساكر من طريق أبي عبيدة بن محمد بن عمار عن أبيه قال‏:‏ أخذ المشركون عمار بن ياسر فلم يتركوه حتى سبّ النبيّ صلى الله عليه وسلم وذكر آلهتهم بخير، فتركوه، فلما أتى النبيّ صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ «ما وراءك‏؟‏» قال‏:‏ شرّ، ما تركت حتى نلت منك وذكرت آلهتهم بخير، قال‏:‏ «كيف تجد قلبك»‏؟‏ قال‏:‏ مطمئناً بالإيمان‏.‏ قال‏:‏ «إن عادوا فعد» فنزلت ‏{‏إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بالإيمان‏}‏ قال‏:‏ ذاك عمار بن ياسر ‏{‏ولكن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا‏}‏ عبد الله بن أبي سرح‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن عساكر عن أبي مالك في قوله‏:‏ ‏{‏إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بالإيمان‏}‏ قال‏:‏ نزلت في عمار بن ياسر، وفي الباب روايات مصرّحة بأنها نزلت في عمار ابن ياسر‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن سيرين قال‏:‏ نزلت هذه الآية ‏{‏إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بالإيمان‏}‏ في عياش بن أبي ربيعة‏.‏

وأخرج ابن مردويه من طريق عكرمة عن ابن عباس قال‏:‏ في سورة النحل ‏{‏فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مّنَ الله وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ‏}‏ ثم نسخ واستثنى من ذلك فقال‏:‏ ‏{‏ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجروا مِن بَعْدِ مَا فُتِنُواْ‏}‏ الآية قال‏:‏ وهو عبد الله بن أبي سرح الذي كان يكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فأزله الشيطان، فلحق بالكفار‏.‏ فأمر به النبيّ صلى الله عليه وسلم أن يقتل يوم فتح مكة، فاستجار له عثمان بن عفان، فأجاره النبيّ صلى الله عليه وسلم‏.‏ وأخرج ابن جرير عن عكرمة والحسن مثله‏.‏ وأخرج ابن مردويه، والبيهقي في سننه عن ابن عباس قال‏:‏ نزلت هذه الآية ‏{‏ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجروا مِن بَعْدِ مَا فُتِنُواْ‏}‏ فيمن كان يفتن من أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم‏.‏ وأخرج ابن مردويه عنه قال‏:‏ كان قوم من أهل مكة قد أسلموا، وكانوا يستخفون بالإسلام، فنزلت فيهم ‏{‏ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجروا‏}‏ الآية، فكتبوا إليهم بذلك‏:‏ إنّ الله قد جعل لكم مخرجاً فأخرجوا، فأدركهم المشركون فقاتلوهم، فنجا من نجا، وقتل من قتل‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن الحسن‏:‏ أن عيوناً لمسيلمة أخذوا رجلين من المسلمين، فأتوه بهما، فقال لأحدهما‏:‏ أتشهد أن محمداً رسول الله‏؟‏ قال‏:‏ نعم‏.‏ قال‏:‏ أتشهد أني رسول الله‏؟‏ فأهوى إلى أذنيه فقال‏:‏ إنّي أصمّ، فأمر به فقتل‏.‏ وقال للآخر‏:‏ أتشهد أن محمداً رسول الله‏؟‏ قال‏:‏ نعم، قال‏:‏ أتشهد أني رسول الله‏؟‏ قال‏:‏ نعم، فأرسله فأتى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال له‏:‏ «أما صاحبك، فمضى على إيمانه، وأما أنت فأخذت بالرخصة» وهو مرسل‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏112- 119‏]‏

‏{‏وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ ‏(‏112‏)‏ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ ‏(‏113‏)‏ فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ‏(‏114‏)‏ إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ‏(‏115‏)‏ وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ ‏(‏116‏)‏ مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ‏(‏117‏)‏ وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ‏(‏118‏)‏ ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ‏(‏119‏)‏‏}‏

قوله‏:‏ ‏{‏وَضَرَبَ الله مَثَلاً قَرْيَةً‏}‏ قد قدّمنا أن ضرب مضمن معنى جعل، حتى تكون ‏{‏قرية‏}‏ المفعول الأوّل و‏{‏مثلاً‏}‏ المفعول الثاني، وإنما تأخرت ‏{‏قرية‏}‏ لئلا يقع الفصل بينها وبين صفاتها‏.‏ وقدّمنا أيضاً أنه يجوز أن يكون ‏{‏ضرب‏}‏ على بابه غير مضمن، ويكون ‏{‏مثلاً‏}‏ مفعوله الأوّل وقرية بدلاً منه‏.‏

وقد اختلف المفسرون هل المراد بهذه القرية قرية معينة، أو المراد قرية غير معينة‏؟‏ بل كل قوم أنعم الله عليهم فأبطرتهم النعمة‏؟‏ فذهب الأكثر إلى الأول وصرحوا بأنها مكة، وذلك لما دعا عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال‏:‏ «اللّهم اشدد وطأتك على مضر، واجعلها عليهم سنين كسني يوسف»، فابتلوا بالقحط حتى أكلوا العظام، والثاني‏:‏ أرجح، لأن تنكير قرية يفيد ذلك، ومكة تدخل في هذا العموم البدليّ دخولاً أوّلياً‏.‏ وأيضاً يكون الوعيد أبلغ، والمثل أكمل، وغير مكة مثلها‏.‏ وعلى فرض إرادتها، ففي المثل إنذار لغيرها من مثل عاقبتها‏.‏

ثم وصف القرية بأنها ‏{‏كَانَتْ ءامِنَةً‏}‏ غير خائفة ‏{‏مُّطْمَئِنَّةً‏}‏ غير منزعجة، أي‏:‏ لا يخاف أهلها ولا ينزعجون ‏{‏يَأْتِيهَا رِزْقُهَا‏}‏ أي‏:‏ ما يرتزق به أهلها ‏{‏رَغَدًا‏}‏ واسعاً ‏{‏مّن كُلّ مَكَانٍ‏}‏ من الأمكنة التي يجلب ما فيها إليها ‏{‏فَكَفَرَتْ‏}‏ أي‏:‏ كفر أهلها ‏{‏بِأَنْعُمِ الله‏}‏ التي أنعم بها عليهم، والأنعم‏:‏ جمع نعمة كالأشدّ جمع شدّة‏.‏ وقيل‏:‏ جمع نعمى مثل بؤسى وأبؤس‏.‏ وهذا الكفر منهم هو كفرهم بالله سبحانه وتكذيب رسله ‏{‏فَأَذَاقَهَا الله‏}‏ أي‏:‏ أذاق أهلها ‏{‏لِبَاسَ الجوع والخوف‏}‏ سمي ذلك لباساً لأنه يظهر به عليهم من الهزال، وشحوبة اللون، وسوء الحال، ما هو كاللباس، فاستعير له اسمه، وأوقع عليه الإذاقة، وأصلها الذوق بالفم‏.‏ ثم استعيرت لمطلق الاتصال مع إنبائها بشدّة الإصابة لما فيها من اجتماع الإدراكين‏:‏ إدراك اللمس، والذوق‏.‏

روي أن ابن الراوندي الزنديق قال لابن الأعرابي- إمام اللغة والأدب- هل يذاق اللباس‏؟‏ فقال له ابن الأعرابي‏:‏ لا بأس أيها النسناس، هب أن محمداً ما كان نبياً أما كان عربياً‏؟‏ كأنه طعن في الآية بأن المناسب أن يقال‏:‏ فكساها الله لباس الجوع، أو فأذاقها الله طعم الجوع، فرد عليه ابن الأعرابي‏.‏

وقد أجاب علماء البيان أن هذا من تجريد الاستعارة، وذلك أنه استعار اللباس لما غشي الإنسان من بعض الحوادث كالجوع والخوف، لاشتماله عليه اشتمال اللباس على اللابس، ثم ذكر الوصف ملائماً للمستعار له، وهو الجوع والخوف؛ لأن إطلاق الذوق على إدراك الجوع والخوف جرى عندهم مجرى الحقيقة، فيقولون‏:‏ ذاق فلان البؤس والضر، وأذاقه غيره، فكانت الاستعارة مجرّدة‏.‏ ولو قال‏:‏ فكساها كانت مرشحة‏.‏ قيل‏:‏ وترشيح الاستعارة، وإن كان مستحسناً من جهة المبالغة، إلاّ أن للتجريد ترجيحاً من حيث أنه روعي جانب المستعار له، فازداد الكلام وضوحاً‏.‏

وقيل‏:‏ إن أصل الذوق بالفم، ثم قد يستعار، فيوضع موضع التعرف والاختبار‏.‏ ومن ذلك قول الشاعر‏:‏

ومن يذق الدنيا فإني طعمتها *** وسيق إلينا عذبها وعذابها

وقرأ حفص بن غياث ونصر بن عاصم وابن أبي إسحاق وأبو عمرو فيما روى عنه عبد الوارث بنصب الخوف عطفاً على لباس، وقرأ الباقون بالضم عطفاً على الجوع، قال الفراء‏:‏ كل الصفات أجريت على القرية إلاّ قوله‏:‏ ‏{‏يَصْنَعُونَ‏}‏ تنبيهاً على أن المراد في الحقيقة أهلها‏.‏

‏{‏وَلَقَدْ جَاءهُمْ‏}‏ يعني‏:‏ أهل مكة ‏{‏رَسُولٌ مّنْهُمْ‏}‏ من جنسهم يعرفونه ويعرفون نسبه، فأمرهم بما فيه نفعهم ونهاهم عما فيه ضرهم ‏{‏فَكَذَّبُوهُ‏}‏ فيما جاء به ‏{‏فَأَخَذَهُمُ العذاب‏}‏ النازل بهم من الله سبحانه، والحال أنهم في حال أخذ العذاب لهم ‏{‏ظالمون‏}‏ لأنفسهم بإيقاعها في العذاب الأبديّ، ولغيرهم بالإضرار بهم وصدّهم عن سبيل الله، وهذا الكلام من تمام المثل المضروب‏.‏ وقيل‏:‏ إن المراد بالعذاب هنا هو الجوع الذي أصابهم، وقيل‏:‏ القتل يوم بدر‏.‏

ثم لما وعظهم الله سبحانه بما ذكروه من حال أهل القرية المذكورة، أمرهم أن يأكلوا مما رزقهم الله من الغنائم ونحوها، وجاء بالفاء للإشعار بأن ذلك متسبب عن ترك الكفر‏.‏ والمعنى‏:‏ أنكم لما آمنتم وتركتم الكفر، فكلوا الحلال الطيب وهو الغنيمة، واتركوا الخبائث وهو الميتة والدم ‏{‏واشكروا نِعْمَتَ الله‏}‏ التي أنعم بها عليكم واعرفوا حقها ‏{‏إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ‏}‏ ولا تعبدون غيره، أو إن صحّ زعمكم أنكم تقصدون بعبادة الآلهة التي زعمتم عبادة الله تعالى‏.‏ وقيل‏:‏ إن الفاء في ‏{‏فكلوا‏}‏ داخلة على الأمر بالشكر، وإنما أدخلت على الأمر بالأكل، لأن الأكل ذريعة إلى الشكر‏.‏

‏{‏إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الميتة والدم وَلَحْمَ الخنزير وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ الله‏}‏ كرّر سبحانه ذكر هذه المحرمات في البقرة والمائدة والأنعام، وفي هذه السورة قطعاً للأعذار، وإزالة للشبهة، ثم ذكر الرخصة في تناول شيء مما ذكر فقال‏:‏ ‏{‏فَمَنِ اضطر غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ‏}‏ وقد تقدّم الكلام على جميع ما هو مذكور هنا مستوفى‏.‏ ثم زيف طريقة الكفار في الزيادة على هذه المحرمات كالبحيرة والسائبة، وفي النقصان عنها كتحليل الميتة والدّم، فقال‏:‏ ‏{‏وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الكذب‏}‏ قال الكسائي، والزجاج‏:‏ «ما» هنا مصدرية‏.‏ وانتصاب الكذب ب ‏{‏لا تقولوا‏}‏ أي‏:‏ لا تقولوا الكذب لأجل وصف ألسنتكم، ومعناه‏:‏ لا تحرموا ولا تحللوا لأجل قول تنطق به ألسنتكم من غير حجة، ويجوز أن تكون «ما» موصولة، والكذب منتصب ب ‏{‏تصف‏}‏ أي‏:‏ لا تقولوا للذي تصف ألسنتكم الكذب فيه ‏{‏هذا حلال وهذا حَرَامٌ‏}‏ فحذف لفظة فيه لكونه معلوماً، فيكون قوله‏:‏ ‏{‏هذا حلال وهذا حرام‏}‏ بدلاً من الكذب، ويجوز أن يكون في الكلام حذف بتقدير القول‏:‏ أي ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم، فتقول‏:‏ هذا حلال وهذا حرام، أو قائلة‏:‏ هذا حلال وهذا حرام، ويجوز أن ينتصب الكذب أيضاً ب ‏{‏تصف‏}‏ وتكون «ما» مصدرية، أي‏:‏ لا تقولوا‏:‏ هذا حلال وهذا حرام لوصف ألسنتكم الكذب‏.‏

وقرئ «الكذب» بضم الكاف والذال والباء على أنه نعت للألسنة، وقرأ الحسن بفتح الكاف وكسر الذال والباء نعتاً ل «ما»‏.‏ وقيل‏:‏ على البدل من «ما» أي‏:‏ ولا تقولوا الكذب الذي تصفه ألسنتكم هذا حلال وهذا حرام، واللام في ‏{‏لّتَفْتَرُواْ على الله الكذب‏}‏ هي لام العاقبة، لا لام العرض، أي‏:‏ فيتعقب ذلك افتراؤكم على الله الكذب بالتحليل والتحريم، وإسناد ذلك إليه من غير أن يكون منه ‏{‏إِنَّ الذين يَفْتَرُونَ عَلَى الله الكذب‏}‏ أي افتراء كان ‏{‏لاَ يُفْلِحُونَ‏}‏ بنوع من أنواع الفلاح، وهو الفوز بالمطلوب، وارتفاع ‏{‏متاع قَلِيلٌ‏}‏ على أنه خبر مبتدأ محذوف‏.‏ قال الزجاج‏:‏ أي متاعهم متاع قليل، أو هو مبتدأ خبره محذوف، أي‏:‏ لهم متاع قليل ‏{‏وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ‏}‏ يردّون إليه في الآخرة‏.‏

ثم خصّ محرمات اليهود بالذكر فقال‏:‏ ‏{‏وَعَلَى الذين هَادُواْ حَرَّمْنَا‏}‏ أي‏:‏ حرمنا عليهم خاصة دون غيرهم ‏{‏مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ‏}‏ بقولنا‏:‏ ‏{‏حَرَّمْنَا كُلَّ ذِى ظُفُرٍ وَمِنَ البقر والغنم حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 146‏]‏، الآية، و‏{‏مِن قَبْلُ‏}‏ متعلق ب ‏{‏قصصنا‏}‏ أو ب ‏{‏حرمنا‏}‏ ‏{‏وَمَا ظلمناهم‏}‏ بذلك التحريم، بل جزيناهم ببغيهم ‏{‏ولكن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ‏}‏ حيث فعلوا أسباب ذلك فحرّمنا عليهم تلك الأشياء عقوبة لهم‏.‏

ثم بيّن سبحانه أن الافتراء على الله سبحانه ومخالفة أمره لا يمنعهم من التوبة وحصول المغفرة فقال‏:‏ ‏{‏ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُواْ السوء بجهالة‏}‏ أي‏:‏ متلبسين بجهالة، وقد تقدّم تفسير هذه الآية في سورة النساء ‏{‏ثُمَّ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذَلِكَ‏}‏ أي‏:‏ من بعد عملهم للسوء، وفيه تأكيد، فإن «ثم» قد دلت على البعدية، فأكدها بزيادة ذكر البعدية ‏{‏وَأَصْلَحُواْ‏}‏ أعمالهم التي كان فيها فساد بالسوء الذي عملوه، ثم كرّر ذلك تأكيداً وتقريراً فقال‏:‏ ‏{‏إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا‏}‏ أي‏:‏ من بعد التوبة ‏{‏لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ‏}‏ كثير الغفران، واسع الرحمة‏.‏

وقد أخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏وَضَرَبَ الله مَثَلاً قَرْيَةً‏}‏ قال‏:‏ يعني مكة‏.‏ وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن عطية في الآية مثله‏.‏ وزاد فقال‏:‏ ألا ترى أنه قال ‏{‏وَلَقَدْ جَاءهُمْ رَسُولٌ مّنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ‏}‏‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر نحوه‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن شهاب قال‏:‏ القرية التي قال الله ‏{‏كَانَتْ ءامِنَةً مُّطْمَئِنَّةً‏}‏ هي يثرب‏.‏

قلت‏:‏ ولا أدري أي دليل دله على هذا التعيين، ولا أيّ قرينة قامت له على ذلك، ومتى كفرت دار الهجرة ومسكن الأنصار بأنعم الله، وأيّ وقت أذاقها الله لباس الجوع والخوف، وهي التي تنفي خبثها كما ينفي الكير خبث الحديد كما صحّ ذلك عن الصادق المصدوق‏.‏ وصحّ عنه أيضاً أنه قال‏:‏ «والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون»

وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله‏:‏ ‏{‏وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الكذب‏}‏ الآية، قال‏:‏ في البحيرة والسائبة‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي نضرة قال‏:‏ قرأت هذه الآية في سورة النحل ‏{‏وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الكذب هذا حلال وهذا حَرَامٌ‏}‏ إلى آخر الآية، فلم أزل أخاف الفتيا إلى يومي هذا‏.‏ قلت‏:‏ صدق رحمه الله، فإن هذه الآية تتناول بعموم لفظها فتياً من أفتى بخلاف ما في كتاب الله أو في سنّة رسوله صلى الله عليه وسلم، كما يقع كثيراً من المؤثرين للرأي المقدّمين له على الرواية، أو الجاهلين لعلم الكتاب والسنّة كالمقلدة، وإنهم لحقيقون بأن يحال بينهم وبين فتاويهم ويمنعوا من جهالاتهم، فإنهم أفتوا بغير علم من الله ولا هدى ولا كتاب منير، فضلوا وأضلوا، فهم ومن يستفتيهم كما قال القائل‏:‏

كبهيمة عمياء قاد زمامها *** أعمى على عوج الطريق الجائر

وأخرج الطبراني عن ابن مسعود قال‏:‏ عسى رجل أن يقول‏:‏ إن الله أمر بكذا، أو نهى عن كذا، فيقول الله عزّ وجلّ له‏:‏ كذبت‏.‏ أو يقول‏:‏ إن الله حرّم كذا أو أحلّ كذا، فيقول الله له‏:‏ كذبت‏.‏ وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن الحسن في قوله‏:‏ ‏{‏وعلى الذين هَادُواْ حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ‏}‏ قال‏:‏ في سورة الأنعام‏.‏ وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن قتادة مثله، وقال‏:‏ حيث يقول‏:‏ ‏{‏وَعَلَى الذين هَادُواْ‏}‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏وِإِنَّا لصادقون‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 146‏]‏‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏120- 128‏]‏

‏{‏إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ‏(‏120‏)‏ شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ‏(‏121‏)‏ وَآَتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ ‏(‏122‏)‏ ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ‏(‏123‏)‏ إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ‏(‏124‏)‏ ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ‏(‏125‏)‏ وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ ‏(‏126‏)‏ وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ ‏(‏127‏)‏ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ ‏(‏128‏)‏‏}‏

لما فرغ سبحانه من دفع شبه المشركين وإبطال مطاعنهم، وكان إبراهيم عليه السلام من الموحدين وهو قدوة كثير من النبيين ذكره الله في آخر هذه السورة فقال‏:‏ ‏{‏إِنَّ إبراهيم كَانَ أُمَّةً‏}‏ قال ابن الأعرابيّ‏:‏ يقال للرجل العالم‏:‏ أمّة، والأمّة‏:‏ الرجل الجامع للخير‏.‏ قال الواحدي‏:‏ قال أكثر أهل التفسير‏:‏ أي معلماً للخير، وعلى هذا فمعنى كون إبراهيم كان أمّة أنه كان معلماً للخير أو جامعاً لخصال الخير أو عالماً بما علمه الله من الشرائع‏.‏ وقيل‏:‏ أمّة بمعنى مأموم أي‏:‏ يؤمه الناس ليأخذوا منه الخير كما قال سبحانه‏:‏ ‏{‏إِنّى جاعلك لِلنَّاسِ إِمَامًا‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 124‏]‏ والقانت‏:‏ المطيع‏.‏ وقد تقدّم بيان معاني القنوت في البقرة‏.‏ والحنيف‏:‏ المائل عن الأديان الباطلة إلى دين الحق، وقد تقدّم بيانه في الأنعام‏.‏ ‏{‏وَلَمْ يَكُ مِنَ المشركين‏}‏ بالله كما تزعمه كفار قريش أنه كان على دينهم الباطل‏.‏

‏{‏شَاكِراً لأَنْعُمِهِ‏}‏ التي أنعم الله بها عليه وإن كانت قليلة كما يدلّ عليه جمع القلة، فهو شاكر لما كثر منها بالأولى ‏{‏اجتباه‏}‏ أي‏:‏ اختاره للنبوّة واختصه بها ‏{‏وَهَدَاهُ إلى صراط مُّسْتَقِيمٍ‏}‏ وهو ملة الإسلام ودين الحق‏.‏

‏{‏وءاتيناه فِى الدنيا حَسَنَةً‏}‏ أي‏:‏ خصلة حسنة أو حالة حسنة‏.‏ وقيل‏:‏ هي الولد الصالح‏.‏ وقيل‏:‏ الثناء الحسن‏.‏ وقيل‏:‏ النبوّة‏.‏ وقيل‏:‏ الصلاة منا عليه في التشهد‏.‏ وقيل‏:‏ هي أنه يتولاه جميع أهل الأديان‏.‏ ولا مانع أن يكون ما آتاه الله شاملاً لذلك كله ولما عداه من خصال الخير ‏{‏وَإِنَّهُ فِى الآخرة لَمِنَ الصالحين‏}‏ حسبما وقع منه السؤال لربه حيث قال‏:‏ ‏{‏وَأَلْحِقْنِى بالصالحين * واجعل لّى لِسَانَ صِدْقٍ فِى الآخرين * واجعلنى مِن وَرَثَةِ جَنَّةِ النعيم‏}‏ ‏[‏الشعراء‏:‏ 83- 85‏]‏‏.‏ ‏{‏ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ‏}‏ يا محمد مع علوّ درجتك وسموّ منزلتك، وكونك سيد ولد آدم ‏{‏أَنِ اتبع مِلَّةَ إبراهيم‏}‏ وأصل الملة اسم لما شرعه الله لعباده على لسان نبيّ من أنبيائه‏.‏ وقيل‏:‏ والمراد هنا اتباع النبيّ صلى الله عليه وسلم لملة إبراهيم في التوحيد والدعوة إليه‏.‏ وقال ابن جرير‏:‏ في التبرّي من الأوثان، والتدّين بدين الإسلام‏.‏ وقيل‏:‏ في مناسك الحج‏.‏ وقيل‏:‏ في الأصول دون الفروع‏.‏ وقيل‏:‏ في جميع شريعته، إلاّ ما نسخ منها، وهذا هو الظاهر، وقد أمر النبيّ صلى الله عليه وسلم بالاقتداء بالأنبياء مع كونه سيدهم، فقال تعالى‏:‏ ‏{‏فَبِهُدَاهُمُ اقتده‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 90‏]‏‏.‏ وانتصاب ‏{‏حَنِيفاً‏}‏ على الحال من إبراهيم، وجاز مجيء الحال منه؛ لأن الملة كالجزء منه‏.‏ وقد تقرّر في علم النحو أن الحال من المضاف إليه جائز إذا كان يقتضي المضاف العمل في المضاف إليه، أو كان جزءاً منه أو كالجزء ‏{‏وَمَا كَانَ مِنَ المشركين‏}‏ وهو تكرير لما سبق للنكتة التي ذكرناها‏.‏

‏{‏إِنَّمَا جُعِلَ السبت على الذين اختلفوا فِيهِ‏}‏ أي‏:‏ إنما جعل وبال السبت وهو المسخ على الذين اختلفوا فيه، أو إنما جعل فرض تعظيم السبت وترك الصيد فيه على الذين اختلفوا فيه، لا على غيرهم من الأمم‏.‏

وقد اختلف العلماء في كيفية الاختلاف الكائن بينهم في السبت، فقالت طائفة‏:‏ إن موسى أمرهم بيوم الجمعة وعيّنه لهم، وأخبرهم بفضيلته على غيره، فخالفوه وقالوا‏:‏ إن السبت أفضل، فقال الله له‏:‏ دعهم وما اختاروا لأنفسهم‏.‏ وقيل‏:‏ إن الله سبحانه أمرهم بتعظيم يوم في الأسبوع، فاختلف اجتهادهم فيه، فعينت اليهود السبت، لأن الله سبحانه فرغ فيه من الخلق، وعينت النصارى يوم الأحد لأن الله بدأ فيه الخلق‏.‏ فألزم الله كلا منهم ما أدّى إليه اجتهاده، وعيّن لهذه الأمة الجمعة من غير أن يكلهم إلى اجتهادهم فضلاً منه ونعمة‏.‏ ووجه اتصال هذه الآية بما قبلها أن اليهود كانوا يزعمون أن السبت من شرائع إبراهيم، فأخبر الله سبحانه أنه إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه، ولم يجعله على إبراهيم ولا على غيره ‏{‏وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ‏}‏ أي‏:‏ بين المختلفين فيه ‏{‏يَوْمَ القيامة فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ‏}‏ فيجازي كلا فيه بما يستحقه ثواباً وعقاباً، كما وقع منه سبحانه من المسخ لطائفة منهم والتنجية لأخرى‏.‏

ثم أمر الله سبحانه رسوله أن يدعو أمته إلى الإسلام فقال ‏{‏ادع إلى سَبِيلِ رَبّكَ‏}‏ وحذف المفعول للتعميم، لكونه بعث إلى الناس كافة، وسبيل الله هو الإسلام ‏{‏بالحكمة‏}‏ أي‏:‏ بالمقالة المحكمة الصحيحة‏.‏ قيل‏:‏ وهي الحجج القطعية المفيدة لليقين ‏{‏والموعظة الحسنة‏}‏ وهي المقالة المشتملة على الموعظة الحسنة التي يستحسنها السامع، وتكون في نفسها حسنة باعتبار انتفاع السامع بها‏.‏ قيل‏:‏ وهي الحجج الظنية الإقناعية الموجبة للتصديق بمقدّمات مقبولة‏.‏ قيل‏:‏ وليس للدعوة إلاّ هاتان الطريقتان، ولكن الداعي قد يحتاج مع الخصم الألدّ إلى استعمال المعارضة والمناقضة، ونحو ذلك من الجدل‏.‏ ولهذا قال سبحانه‏:‏ ‏{‏وجادلهم بالتى هِىَ أَحْسَنُ‏}‏ أي‏:‏ بالطريق التي هي أحسن طرق المجادلة‏.‏ وإنما أمر سبحانه بالمجادلة الحسنة لكون الداعي محقاً وغرضه صحيحاً، وكان خصمه مبطلاً وغرضه فاسداً ‏{‏إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ‏}‏ لما حثّ سبحانه على الدعوة بالطرق المذكورة، بيّن أن الرشد والهداية ليس إلى النبي صلى الله عليه وسلم وإنما ذلك إليه تعالى فقال‏:‏ ‏{‏إِنَّ رَّبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ‏}‏ أي‏:‏ هو العالم بمن يضلّ ومن يهتدّي ‏{‏وَهُوَ أَعْلَمُ بالمهتدين‏}‏ أي‏:‏ بمن يبصر الحقّ فيقصده غير متعنت، وإنما شرع لك الدعوة، وأمرك بها قطعاً للمعذرة، وتتميماً للحجة، وإزاحة للشبهة، وليس عليك غير ذلك‏.‏

ثم لما كانت الدعوة تتضمن تكليف المدعوّين بالرجوع إلى الحق، فإن أبوا قوتلوا، أمر الداعي بأن يعدل في العقوبة فقال‏:‏ ‏{‏وَإِنْ عَاقَبْتُمْ‏}‏ أي‏:‏ أردتم المعاقبة ‏{‏فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ‏}‏ أي‏:‏ بمثل ما فعل بكم، لا تجاوزوا ذلك‏.‏

قال ابن جرير‏:‏ أنزلت هذه الآية فيمن أصيب بظلامة أن لا ينال من ظالمه إذا تمكن إلاّ مثل ظلامته، لا يتعدّاها إلى غيرها‏.‏ وهذا صواب؛ لأن الآية وإن قيل‏:‏ إن لها سبباً خاصاً كما سيأتي، فالاعتبار بعموم اللفظ، وعمومه يؤدّي هذا المعنى الذي ذكره، وسمى سبحانه الفعل الأوّل الذي هو فعل البادئ بالشرّ عقوبة، مع أن العقوبة ليست إلاّ فعل الثاني، وهو المجازي للمشاكلة، وهي باب معروف وقع في كثير من الكتاب العزيز‏.‏ ثم حثّ سبحانه على العفو فقال‏:‏ ‏{‏وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ للصابرين‏}‏ أي‏:‏ لئن صبرتم عن المعاقبة بالمثل، فالصبر خير لكم من الانتصاف، ووضع ‏{‏الصابرين‏}‏ موضع الضمير، ثناء من الله عليهم بأنهم صابرون على الشدائد‏.‏ وقد ذهب الجمهور إلى أن هذه الآية محكمة لأنها واردة في الصبر عن المعاقبة والثناء على الصابرين على العموم‏.‏ وقيل‏:‏ هي منسوخة بآيات القتال، ولا وجه لذلك‏.‏

ثم أمر الله سبحانه رسوله بالصبر فقال‏:‏ ‏{‏واصبر‏}‏ على ما أصابك من صنوف الأذى ‏{‏وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بالله‏}‏ أي‏:‏ بتوفيقه وتثبيته‏.‏ والاستثناء مفرغ من أعمّ الأشياء، أي‏:‏ وما صبرك مصحوباً بشيء من الأشياء إلاّ بتوفيقه لك‏.‏ وفيه تسلية للنبيّ صلى الله عليه وسلم‏.‏ ثم نهاه عن الحزن فقال‏:‏ ‏{‏وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ‏}‏ أي‏:‏ على الكافرين في إعراضهم عنك، أو لا تحزن على قتلى أحد، فإنهم قد أفضوا إلى رحمة الله‏.‏ ‏{‏وَلاَ تَكُ فِى ضَيْقٍ مّمَّا يَمْكُرُونَ‏}‏ قرأ الجمهور بفتح الضاد، وقرأ ابن كثير بكسرها‏.‏ قال ابن السكيت‏:‏ هما سواء، يعني‏:‏ المفتوح والمكسور‏.‏ وقال الفراء‏:‏ الضيق بالفتح‏:‏ ما ضاق عنه صدرك، والضيق بالكسر‏:‏ ما يكون في الذي يتسع، مثل الدار والثوب‏.‏ وكذا قال الأخفش، وهو من الكلام المقلوب؛ لأن الضيق‏.‏ وصف للإنسان يكون فيه ولا يكون الإنسان فيه، وكأنه أراد وصف الضيق بالعظم حتى صار كالشيء المحيط بالإنسان من جميع جوانبه، ومعنى ‏{‏مما يمكرون‏}‏‏:‏ من مكرهم لك فيما يستقبل من الزمان‏.‏

ثم ختم هذه السورة بآية جامعة لجميع المأمورات والمنهيات فقال‏:‏ ‏{‏إِنَّ الله مَعَ الذين اتقوا‏}‏ أي‏:‏ اتقوا المعاصي على اختلاف أنواعها ‏{‏والذين هُم مُّحْسِنُونَ‏}‏ بتأدية الطاعات والقيام بما أمروا بها منها‏.‏ وقيل‏:‏ المعنى ‏{‏إن الله مع الذين اتقوا‏}‏ الزيادة في العقوبة، ‏{‏والذين هم محسنون‏}‏ في أصل الانتقام، فيكون الأوّل إشارة إلى قوله‏:‏ ‏{‏فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ‏}‏ والثاني إشارة إلى قوله‏:‏ ‏{‏وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ للصابرين‏}‏، وقيل ‏{‏الذين اتقوا‏}‏ إشارة إلى التعظيم لأمر الله ‏{‏والذين هُم مُّحْسِنُونَ‏}‏ إشارة إلى الشفقة على عباد الله تعالى‏.‏

وقد أخرج عبد الرزاق، والفريابي، وسعيد، بن منصور، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، والحاكم وصححه، وابن مردويه عن ابن مسعود‏:‏ أنه سئل عن الأمة ما هي‏؟‏ فقال‏:‏ الذي يعلم الناس الخير، قالوا‏:‏ فما القانت‏؟‏ قال‏:‏ الذي يطيع الله ورسوله‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏إِنَّ إبراهيم كَانَ أُمَّةً قانتا لِلَّهِ‏}‏ قال‏:‏ كان على الإسلام ولم يكن في زمانه من قومه أحد على الإسلام غيره، فلذلك قال الله‏:‏ ‏{‏كَانَ أُمَّةً قانتا لِلَّهِ‏}‏‏.‏ وأخرج ابن المنذر عنه في قوله‏:‏ ‏{‏كَانَ أُمَّةً‏}‏ قال‏:‏ إماماً في الخير ‏{‏قانتا‏}‏ قال‏:‏ مطيعاً‏.‏ وأخرج ابن مردويه عن أنس بن مالك قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «ما من عبد تشهد له أمة، إلاّ قبل الله شهادتهم» والأمة‏:‏ الرجل فما فوقه، إن الله يقول ‏{‏إِنَّ إبراهيم كَانَ أُمَّةً‏}‏ والأمة الرجل فما فوقه‏.‏

وأخرج عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن مردويه، والبيهقي عن ابن عمرو وقال‏:‏ صلى جبريل بإبراهيم الظهر والعصر بعرفات، ثم وقف حتى إذا غابت الشمس دفع به، ثم صلى المغرب والعشاء، بجمع ثم صلى الفجر به كأسرع ما يصلي أحدكم من المسلمين، ثم وقف به حتى إذا كان كأبطأ ما يصلي أحد من المسلمين دفع، به، ثم رمى الجمرة، ثم ذبح، ثم حلق، ثم أفاض به إلى البيت فطاف به، فقال الله لنبيه‏:‏ ‏{‏ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتبع مِلَّةَ إبراهيم حَنِيفًا‏}‏‏.‏ وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله‏:‏ ‏{‏إِنَّمَا جُعِلَ السبت على الذين اختلفوا فِيهِ‏}‏ قال‏:‏ أراد الجمعة، فأخذوا السبت مكانها‏.‏ وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم من طريق السدّي عن أبي مالك وسعيد بن جبير في الآية قال‏:‏ باستحلالهم إياه‏.‏ رأى موسى رجلاً يحمل حطباً يوم السبت، فضرب عنقه، وفي الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة، قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «نحن الآخرون السابقون يوم القيامة، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، وأوتيناه من بعدهم‏.‏ ثم هذا يومهم الذي فرض عليهم، يعني‏:‏ الجمعة، فاختلفوا فيه، فهدانا الله له، فالناس فيه لنا تبع، اليهود غداً والنصارى بعد غد» وأخرج مسلم وغيره من حديث حذيفة نحوه‏.‏

وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله‏:‏ ‏{‏وجادلهم بالتى هِىَ أَحْسَنُ‏}‏ قال‏:‏ أعرض عن أذاهم إياك‏.‏ وأخرج الترمذي وحسنه، وعبد الله بن أحمد في زوائد المسند، والنسائي، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن خزيمة في الفوائد، وابن حبان، والطبراني، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل، والضياء في المختارة عن أبيّ بن كعب، قال‏:‏ لما كان يوم أحد، أصيب من الأنصار أربعة وستون رجلاً، ومن المهاجرين ستة منهم حمزة، فمثّلوا بهم، فقالت الأنصار‏:‏ لئن أصبنا منهم يوماً مثل هذا لنربين عليهم، فلما كان يوم فتح مكة، أنزل الله تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ للصابرين‏}‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏

‏"‏ نصبر ولا نعاقب، كفوا عن القوم إلاّ أربعة ‏"‏ وأخرج ابن سعد، والبزار، وابن المنذر، والطبراني، والحاكم وصححه، وأبو نعيم في المعرفة، وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل عن أبي هريرة‏:‏ «أن النبي صلى الله عليه وسلم وقف على حمزة حيث استشهد، فنظر إلى منظر لم ينظر إلى شيء قط كان أوجع لقلبه منه، ونظر إليه قد مثل به، فقال‏:‏ ‏"‏ رحمة الله عليك، فإنك كنت ما علمت وصولاً للرحم، فعولاً للخير، ولولا حزن من بعدك عليك، لسرني أن أتركك حتى يحشرك الله من أرواح شتى، أما والله لأمثلنّ بسبعين منهم مكانك ‏"‏، فنزل جبريل، والنبي صلى الله عليه وسلم واقف بخواتيم سورة النحل ‏{‏وَإِنْ عَاقَبْتُمْ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية، فكفّر النبي صلى الله عليه وسلم عن يمينه وأمسك عن الذي أراد وصبر‏.‏ وأخرج ابن المنذر، والطبراني، وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس مرفوعاً نحوه‏.‏ وأخرج ابن جرير، وابن مردويه عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏وَإِنْ عَاقَبْتُمْ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية، قال‏:‏ هذا حين أمر الله نبيه أن يقاتل من قاتله، ثم نزلت براءة وانسلاخ الأشهر الحرم فهذا منسوخ‏.‏ وأخرج عبد الرزاق، وسعيد بن منصور، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن الحسن في قوله‏:‏ ‏{‏إِنَّ الله مَعَ الذين اتقوا والذين هُم مُّحْسِنُونَ‏}‏ قال‏:‏ اتقوا فيما حرّم عليهم، وأحسنوا فيما افترض عليهم‏.‏

سورة الإسراء

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 3‏]‏

‏{‏سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آَيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ‏(‏1‏)‏ وَآَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا ‏(‏2‏)‏ ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا ‏(‏3‏)‏‏}‏

قوله‏:‏ ‏{‏سُبْحَانَ الذى أسرى بِعَبْدِهِ لَيْلاً‏}‏ هو مصدر سبح، يقال‏:‏ سبح يسبح تسبيحاً وسبحاناً، مثل كفر اليمين تكفيراً وكفراناً، ومعناه التنزيه والبراءة لله من كل نقص‏.‏ وقال سيبويه‏:‏ العامل فيه فعل لا من لفظه، والتقدير‏:‏ أنزه الله تنزيهاً، فوقع سبحان مكان تنزيهاً، فهو على هذا مثل قعد القرفصاء واشتمل الصماء؛ وقيل‏:‏ هو علم للتسبيح كعثمان للرجل، وانتصابه بفعل مضمر متروك إظهاره تقديره أسبح الله سبحان، ثم نزل منزلة الفعل وسدّ مسدّه، وقد قدّمنا في قوله‏:‏ ‏{‏سبحانك لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 32‏]‏‏.‏ طرفاً من الكلام المتعلق بسبحان‏.‏ والإسراء قيل‏:‏ هو سير الليل، يقال‏:‏ سرى وأسرى، كسقى وأسقى لغتان، وقد جمع بينهما الشاعر في قوله‏:‏

حي النضير ربة الخدر *** أسرت إليّ ولم تكن تسري

وقيل هو سير أوّل الليل خاصة، وإذا كان الإسراء لا يكون إلاّ في الليل فلا بدّ للتصريح بذكر الليل بعده من فائدة، فقيل‏:‏ أراد بقوله ‏{‏ليلاً‏}‏ تقليل مدّة الإسراء، وأنه أسرى به في بعض الليل من مكة إلى الشام مسافة أربعين ليلة‏.‏ ووجه دلالة ‏{‏ليلاً‏}‏ على تقليل المدّة ما فيه من التنكير الدالّ على البعضية، بخلاف ما إذا قلت‏:‏ سريت الليل فإنه يفيد استيعاب السير له جميعاً‏.‏ وقد استدلّ صاحب الكشاف على إفادة ليلاً للبعضية بقراءة عبد الله وحذيفة ‏(‏من الليل‏)‏‏.‏ وقال الزجاج‏:‏ معنى ‏{‏أسرى بعبده ليلاً‏}‏ سير عبده، يعني‏:‏ محمداً ليلاً، وعلى هذا فيكون معنى أسرى‏:‏ معنى سير، فيكون للتقيد بالليل فائدة، وقال‏:‏ ‏{‏بعبده‏}‏ ولم يقل‏:‏ بنبيه أو رسوله، أو بمحمد تشريفاً له صلى الله عليه وسلم‏.‏ قال أهل العلم‏:‏ لو كان غير هذا الاسم أشرف منه، لسماه الله سبحانه به في هذا المقام العظيم، والحالة العلية‏:‏

لا تدعني إلا بياعبدها *** فإنه أشرف أسمائي

ادعاء بأسماء نبزا في قبائلها *** كأن أسماء أضحت بعض أسمائي

‏{‏مّنَ المسجد الحرام‏}‏ قال الحسن وقتادة‏:‏ يعني المسجد نفسه، وهو ظاهر القرآن‏.‏ وقال عامة المفسرين‏:‏ أسرى برسول الله صلى الله عليه وسلم من دار أم هانئ، فحملوا المسجد الحرام على مكة، أو الحرام، لإحاطة كل واحد منهما بالمسجد الحرام، أو لأن الحرم كله مسجد‏.‏ ثم ذكر سبحانه الغاية التي أسرى برسوله إليها فقال‏:‏ ‏{‏إلى المسجد الاقصى‏}‏ وهو بيت المقدس‏.‏ وسمي الأقصى لبعد المسافة بينه وبين المسجد الحرام، ولم يكن حينئذٍ وراءه مسجد، ثم وصف المسجد الأقصى بقوله‏:‏ ‏{‏الذى بَارَكْنَا حَوْلَهُ‏}‏ بالثمار والأنهار والأنبياء والصالحين، فقد بارك الله سبحانه حول المسجد الأقصى ببركات الدنيا والآخرة‏.‏ وفي ‏{‏باركنا‏}‏ بعد قوله ‏{‏أسرى‏}‏ التفات من الغيبة إلى التكلم‏.‏ ثم ذكر العلة التي أسرى به لأجلها فقال‏:‏ ‏{‏لِنُرِيَهُ مِنْ ءاياتنا‏}‏ أي‏:‏ ما أراه الله سبحانه في تلك الليلة من العجائب التي من جملتها قطع هذه المسافة الطويلة في جزء من الليل ‏{‏إنَّهُ‏}‏ سبحانه ‏{‏هُوَ السميع‏}‏ بكل مسموع، ومن جملة ذلك قول رسوله صلى الله عليه وسلم ‏{‏البصير‏}‏ بكل مبصر، ومن جملة ذلك ذات رسوله وأفعاله‏.‏

وقد اختلف أهل العلم هل كان الإسراء بجسده صلى الله عليه وسلم مع روحه، أو بروحه فقط‏؟‏ فذهب معظم السلف والخلف إلى الأوّل، وذهب إلى الثاني طائفة من أهل العلم منهم عائشة، ومعاوية، والحسن، وابن إسحاق، وحكاه ابن جرير عن حذيفة بن اليمان، وذهبت طائفة إلى التفصيل فقالوا‏:‏ كان الإسراء بجسده يقظة إلى بيت المقدس، وإلى السماء بالروح، واستدلوا على هذا التفصيل بقوله‏:‏ ‏{‏إلى المسجد الاقصى‏}‏، فجعله غاية للإسراء بذاته صلى الله عليه وسلم‏.‏ فلو كان الإسراء من بيت المقدس إلى السماء، وقع بذاته لذكره، والذي دلت عليه الأحاديث الصحيحة الكثيرة هو ما ذهب إليه معظم السلف والخلف من أن الإسراء بجسده وروحه يقظة إلى بيت المقدس، ثم إلى السموات، ولا حاجة إلى التأويل وصرف هذا النظم القرآني وما يماثله من ألفاظ الأحاديث إلى ما يخالف الحقيقة، ولا مقتضى لذلك إلاّ مجرد الاستبعاد وتحكيم محض العقول القاصرة عن فهم ما هو معلوم من أنه لا يستحيل عليه سبحانه شيء، ولو كان ذلك مجرد رؤيا كما يقوله من زعم أن الإسراء كان بالروح فقط، وأن رؤيا الأنبياء حق لم يقع التكذيب من الكفرة للنبي صلى الله عليه وسلم عند إخباره لهم بذلك حتى ارتدّ من ارتدّ ممن لم يشرح بالإيمان صدراً، فإن الإنسان قد يرى في نومه ما هو مستبعد، بل ما هو محال ولا ينكر ذلك أحد؛ وأما التمسك لمن قال بأن هذا الإسراء إنما كان بالروح على سبيل الرؤيا بقوله‏:‏ ‏{‏وَمَا جَعَلْنَا الرءيا التى أريناك إِلاَّ فِتْنَةً لّلنَّاسِ‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 60‏]‏ فعلى تسليم أن المراد بهذه الرؤيا هو هذا الإسراء فالتصريح الواقع هنا بقوله‏:‏ ‏{‏سُبْحَانَ الذى أسرى بِعَبْدِهِ لَيْلاً‏}‏ والتصريح في الأحاديث الصحيحة الكثيرة بأنه أسرى به لا تقصر عن الاستدلال بها على تأويل هذه الرؤيا الواقعة في الآية برؤية العين، فإنه قد يقال لرؤية العين رؤيا، وكيف يصح حمل هذا الإسراء على الرؤيا مع تصريح الأحاديث الصحيحة بأن النبي صلى الله عليه وسلم ركب البراق‏؟‏ وكيف يصح وصف الروح بالركوب‏؟‏ وهكذا كيف يصح حمل هذا الإسراء على الرؤيا مع تصريحه بأنه كان عند أن أسري به بين النائم واليقظان‏؟‏

وقد اختلف أيضاً في تاريخ الإسراء، فروي أن ذلك كان قبل الهجرة إلى المدينة بسنة‏.‏ وروي أن الإسراء كان قبل الهجرة بأعوام‏.‏ ووجه ذلك أن خديجة صلت مع النبي صلى الله عليه وسلم وقد ماتت قبل الهجرة بخمس سنين، وقيل‏:‏ بثلاث؛ وقيل‏:‏ بأربع، ولم تفرض الصلاة إلاّ ليلة الإسراء‏.‏

وقد استدل بهذا ابن عبد البرّ على ذلك، وقد اختلفت الرواية عن الزهري‏.‏ وممن قال بأن الإسراء كان قبل الهجرة بسنة الزهري في رواية عنه، وكذلك الحربي فإنه قال‏:‏ أسري بالنبي صلى الله عليه وسلم ليلة سبع وعشرين من ربيع الأوّل قبل الهجرة بسنة‏.‏ وقال ابن القاسم في تاريخه‏:‏ كان الإسراء بعد مبعثه بثمانية عشر شهراً‏.‏ قال ابن عبد البرّ‏:‏ لا أعلم أحداً من أهل السير قال بمثل هذا‏.‏ وروي عن الزهري أنه أسري به قبل مبعثه بسبعة أعوام، وروي عنه أنه قال‏:‏ كان قبل مبعثه بخمس سنين‏.‏ وروى يونس عن عروة عن عائشة أنها قالت‏:‏ توفيت خديجة قبل أن تفرض الصلاة‏.‏

‏{‏وَءاتَيْنَآ مُوسَى الكتاب‏}‏ أي‏:‏ التوراة، قيل‏:‏ والمعنى كرّمنا محمداً بالمعراج وأكرمنا موسى بالكتاب ‏{‏وجعلناه‏}‏ أي‏:‏ ذلك الكتاب؛ وقيل‏:‏ موسى ‏{‏هُدًى لّبَنِى إسراءيل‏}‏ يهتدون به ‏{‏أَن لا تَتَّخِذُواْ‏}‏‏.‏ قرأ أبو عمر بالياء التحتية، وقرأ الباقون بالفوقية أي‏:‏ لئلا يتخذوا‏.‏ والمعنى‏:‏ آتيناه الكتاب لهداية بني إسرائيل لئلا يتخذوا ‏{‏مِن دُونِى وَكِيلاً‏}‏ قال الفراء‏:‏ أي كفيلاً بأمورهم، وروي عنه أنه قال‏:‏ كافياً؛ وقيل‏:‏ أي متوكلون عليه في أمورهم، وقيل‏:‏ شريكاً، ومعنى الوكيل في اللغة من توكل إليه الأمور‏.‏ ‏{‏ذُرّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ‏}‏ نصب على الاختصاص أو النداء، ذكرهم سبحانه إنعامه عليهم في ضمن إنجاء آبائهم من الغرق، ويجوز أن يكون المفعول الأوّل لقوله ‏{‏أن لا تتخذوا‏}‏ أي‏:‏ لا تتخذوا ذرية من حملنا مع نوح من دوني وكيلاً، كقوله‏:‏ ‏{‏وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ الملائكة والنبيين أَرْبَابًا‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 80‏]‏‏.‏ وقرئ بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أو بدل من فاعل ‏{‏تتخذوا‏}‏، وقرأ مجاهد بفتح الذال، وقرأ زيد بن ثابت بكسرها، والمراد بالذرية هنا‏:‏ جميع من في الأرض، لأنهم من ذرية من كان في السفينة؛ وقيل‏:‏ موسى وقومه من بني إسرائيل‏.‏ وهذا هو المناسب لقراءة النصب على النداء والنصب على الاختصاص، والرفع على البدل وعلى الخبر، فإنها كلها راجعة إلى بني إسرائيل المذكورين، وأما على جعل النصب على أن ‏{‏ذرية‏}‏ هي المفعول الأوّل لقوله ‏{‏لا تتخذوا‏}‏، فالأولى تفسير الذرية بجميع من في الأرض من بني آدم‏.‏ ‏{‏إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا‏}‏ أي‏:‏ نوحاً، وصفه الله بكثرة الشكر وجعله كالعلة لما قبله إيذاناً بكون الشكر من أعظم أسباب الخير، ومن أفضل الطاعات حثاً لذريته على شكر الله سبحانه‏.‏

وقد أخرج ابن مردويه عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، قال‏:‏ أسري بالنبيّ صلى الله عليه وسلم ليلة سبع عشرة من شهر ربيع الأول قبل الهجرة بسنة‏.‏

وأخرج البيهقي في الدلائل عن ابن شهاب قال‏:‏ أسري برسول الله إلى بيت المقدس قبل خروجه إلى المدينة بسنة‏.‏ وأخرج البيهقي عن عروة مثله‏.‏ وأخرج البيهقي أيضاً عن السدّي قال‏:‏ أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم قبل مهاجره بستة عشر شهراً‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن السدّي في قوله‏:‏ ‏{‏الذى بَارَكْنَا حَوْلَهُ‏}‏ قال‏:‏ أنبتنا حوله الشجر‏.‏ وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله‏:‏ ‏{‏وَءاتَيْنَآ مُوسَى الكتاب وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لّبَنِى إسراءيل‏}‏ قال‏:‏ جعله الله هدى يخرجهم من الظلمات إلى النور وجعله رحمة لهم‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله‏:‏ ‏{‏أَلاَّ تَتَّخِذُواْ مِن دُونِى وَكِيلاً‏}‏ قال‏:‏ شريكاً‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عنه في قوله‏:‏ ‏{‏ذُرّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ‏}‏ قال‏:‏ هو على النداء‏.‏ يا ذرية من حملنا مع نوح‏.‏ وأخرج ابن مردويه عن عبد الله بن زيد الأنصاري قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «‏{‏ذرية من حملنا مع نوح‏}‏، ما كان مع نوح إلاّ أربعة أولاد‏:‏ حام، وسام، ويافث، وكوش، فذلك أربعة أولاد انتسلوا هذا الخلق» واعلم أنه قد أطال كثير من المفسرين كابن كثير والسيوطي وغيرهما في هذا الموضع بذكر الأحاديث الواردة في الإسراء على اختلاف ألفاظها، وليس في ذلك كثير فائدة، فهي معروفة في موضعها من كتب الحديث، وهكذا أطالوا بذكر فضائل المسجد الحرام والمسجد الأقصى، وهو مبحث آخر، والمقصود في كتب التفسير ما يتعلق بتفسير ألفاظ الكتاب العزيز، وذكر أسباب النزول، وبيان ما يؤخذ منه من المسائل الشرعية، وما عدا ذلك فهو فضلة لا تدعو إليه حاجة‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏4- 11‏]‏

‏{‏وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا ‏(‏4‏)‏ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا ‏(‏5‏)‏ ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا ‏(‏6‏)‏ إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآَخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا ‏(‏7‏)‏ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا ‏(‏8‏)‏ إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا ‏(‏9‏)‏ وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ‏(‏10‏)‏ وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا ‏(‏11‏)‏‏}‏

قوله‏:‏ ‏{‏وَقَضَيْنَا إلى بَنِى إسراءيل فِى الكتاب‏}‏ أي‏:‏ أعلمنا وأخبرنا، أو حكمنا وأتممنا، وأصل القضاء‏:‏ الإحكام للشيء والفراغ منه؛ وقيل‏:‏ أوحينا، ويدل عليه قوله إلى بني إسرائيل، ولو كان بمعنى الإعلام والإخبار لقال‏:‏ قضينا بني إسرائيل، ولو كان بمعنى حكمنا لقال‏:‏ على بني إسرائيل، ولو كان بمعنى أتممنا لقال‏:‏ لبني إسرائيل، والمراد بالكتاب‏:‏ التوراة، ويكون إنزالها على نبيهم موسى كإنزالها عليهم لكونهم قومه؛ وقيل‏:‏ المراد بالكتاب‏:‏ اللوح المحفوظ‏.‏ وقرأ أبو العالية وسعيد بن جبير‏:‏ ‏(‏في الكتب‏)‏‏.‏ وقرأ عيسى الثقفي‏:‏ ‏(‏لتفسدنّ في الأرض‏)‏ بفتح المثناة، ومعنى هذه القراءة قريب من معنى قراءة الجمهور، لأنهم إذا أفسدوا فسدوا في نفوسهم، والمراد بالفساد‏:‏ مخالفة ما شرعه الله لهم في التوراة، والمراد بالأرض أرض الشام وبيت المقدس؛ وقيل‏:‏ أرض مصر، واللام في ‏{‏لتفسدن‏}‏ جواب قسم محذوف‏.‏ قال النيسابوري‏:‏ أو أجري القضاء المبتوت مجرى القسم كأنه قيل‏:‏ وأقسمنا لتفسدنّ‏.‏ وانتصاب ‏{‏مَّرَّتَيْنِ‏}‏ على أنه صفة مصدر محذوف، أو على أنه في نفسه مصدر عمل فيه ما هو من غير جنسه، والمرة الأولى‏:‏ قتل شعياء أو حبس أرمياء، أو مخالفة أحكام التوراة، والثانية‏:‏ قتل يحيى بن زكريا والعزم على قتل عيسى ‏{‏وَلَتَعْلُنَّ عُلُوّاً كَبِيراً‏}‏ هذه اللام كاللام التي قبلها، أي‏:‏ لتستكبرنّ عن طاعة الله ولتستعلنّ على الناس بالظلم والبغي مجاوزين للحد في ذلك ‏{‏فَإِذَا جَآء وَعْدُ أولاهما‏}‏ أي‏:‏ أولى المرتين المذكورتين ‏{‏بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُوْلِى بَأْسٍ شَدِيدٍ‏}‏ أي‏:‏ قوّة في الحروب وبطش عند اللقاء‏.‏ قيل‏:‏ هو بختنصر وجنوده؛ وقيل‏:‏ جالوت؛ وقيل‏:‏ جند من فارس؛ وقيل‏:‏ جند من بابل ‏{‏فَجَاسُواْ خلال الديار‏}‏ أي‏:‏ عاثوا وتردّدوا، يقال‏:‏ جاسوا وهاسوا وداسوا بمعنى، ذكره ابن غرير والقتيبي‏.‏ قال الزجاج‏:‏ معناه طافوا خلال الديار، هل بقي أحد لم يقتلوه‏؟‏ قال‏:‏ والجوس طلب الشيء باستقصاء‏.‏ قال الجوهري‏:‏ الجوس مصدر قولك جاسوا خلال الديار، أي‏:‏ تخللوها، كما يجوس الرجل للأخبار، أي‏:‏ يطلبها، وكذا قال أبو عبيدة‏.‏ وقال ابن جرير‏:‏ معنى جاسوا طافوا بين الديار يطلبونهم ويقتلونهم ذاهبين وجائين‏.‏ وقال الفراء‏:‏ معناه قتلوهم بين بيوتهم وأنشد لحسان‏:‏

وَمِنَّا الذي لاقي بسَيْفٍ مُحَمَّدٍ *** فَجاسَ بِهِ الأعْدَاءَ عُرْض العَسِاكِرِ

وقال قطرب‏:‏ معناه نزلوا‏.‏ وأنشد قول الشاعر‏:‏

فجسنا ديارهم عنوة *** وأُبنَا بساداتهم موثقينا

وقرأ ابن عباس ‏(‏فحاسوا‏)‏ بالحاء المهملة‏.‏ قال أبو زيد‏:‏ الحوس، والجوس، والعوس، والهوس‏:‏ الطوف بالليل، وقيل‏:‏ الطوف بالليل هو الجوسان محركاً، كذا قال أبو عبيدة‏.‏ وقرئ ‏(‏خلل الديار‏)‏‏.‏ ومعناه معنى خلال وهو‏:‏ وسط الديار ‏{‏وَكَانَ‏}‏ ذلك ‏{‏وَعْدًا مَّفْعُولاً‏}‏ أي‏:‏ كائناً لا محالة‏.‏ ‏{‏ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الكرة عَلَيْهِمْ‏}‏ أي‏:‏ الدولة والغلبة والرجعة، وذلك عند توبتهم‏.‏

قيل‏:‏ وذلك حين قتل داود جالوت، وقيل‏:‏ حين قتل بختنصر ‏{‏وأمددناكم بأموال وَبَنِينَ‏}‏ بعد نهب أموالكم وسبي أبنائكم، حتى عاد أمركم كما كان‏.‏ ‏{‏وجعلناكم أَكْثَرَ نَفِيرًا‏}‏ قال أبو عبيدة‏:‏ النفير‏:‏ العدد من الرجال؛ فالمعنى؛ أكثر رجالاً من عدوكم، والنفير‏:‏ من ينفر مع الرجل من عشيرته، يقال‏:‏ نفير ونافر مثل‏:‏ قدير وقدر، ويجوز أن يكون النفير جمع‏:‏ نفر ‏{‏إِنْ أَحْسَنتُمْ‏}‏ أي‏:‏ أفعالكم وأقوالكم على الوجه المطلوب منكم، ‏{‏أَحْسَنتُمْ لاِنفُسِكُمْ‏}‏ لأن ثواب ذلك عائد إليكم ‏{‏وَإِنْ أَسَأْتُمْ‏}‏ أفعالكم وأقوالكم فأوقعتموها لا على الوجه المطلوب منكم، ‏{‏فَلَهَا‏}‏ أي‏:‏ فعليها‏.‏ ومثله قول الشاعر‏:‏

فخر صريعاً لليدين وللفم *** أي‏:‏ على اليدين وعلى الفم‏.‏ قال ابن جرير‏:‏ اللام بمعنى إلى، أي‏:‏ فإليها ترجع الإساءة كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏بِأَنَّ رَبَّكَ أوحى لَهَا‏}‏ ‏[‏الزلزلة‏:‏ 5‏]‏ أي‏:‏ إليها؛ وقيل‏:‏ المعنى‏:‏ فلها الجزاء أو العقاب‏.‏ وقال الحسين بن الفضل‏:‏ فلها ربّ يغفر الإساءة، وهذا الخطاب‏:‏ قيل هو لبني إسرائيل الملابثين لما ذكر في هذه الآيات، وقيل‏:‏ لبني إسرائيل الكائنين في زمن محمد صلى الله عليه وسلم، ومعناه‏:‏ إعلامهم ما حل بسلفهم فليرتقبوا مثل ذلك، وقيل‏:‏ هو خطاب لمشركي قريش‏.‏ ‏{‏فَإِذَا جَاء وَعْدُ الآخرة‏}‏ أي‏:‏ حضر وقت ما وعدوا من عقوبة المرة الآخرة، والمرة الآخرة‏:‏ هي قتلهم يحيى بن زكريا كما سبق، وقصة قتله مستوفاة في الإنجيل، واسمه فيه يوحنا، قتله ملك من ملوكهم بسبب امرأة حملته على قتله، واسم الملك لاخت قاله ابن قتيبة‏.‏ وقال ابن جرير‏:‏ هيردوس، وجواب ‏{‏إذا‏}‏ محذوف، تقديره‏:‏ بعثناهم، لدلالة جواب «إذا» الأولى عليه، ‏{‏يسؤووا وُجُوهَكُمْ‏}‏ متعلق بهذا الجواب المحذوف أي‏:‏ ليفعلوا بكم ما يسوء وجوهكم حتى تظهر عليكم آثار المساءة، وتتبين في وجوهكم الكآبة، وقيل‏:‏ المراد بالوجوه السادة منهم‏.‏ وقرأ الكسائي ‏(‏لنسوء‏)‏ بالنون، على أن الضمير لله سبحانه‏.‏ وقرأ أبيّ‏:‏ ‏(‏لنسوءن‏)‏ بنون التأكيد‏.‏ وقرأ أبو بكر، والأعمش، وابن وثاب، وحمزة، وابن عامر «ليسوء» بالتحتية والإفراد‏.‏ قال الزجاج‏:‏ كل شيء كسرته وفتته فقد تبرته، والضمير‏:‏ لله أو الوعد ‏{‏وَلِيَدْخُلُواْ المسجد‏}‏ معطوف على ‏{‏ليسوءوا‏}‏‏.‏ ‏{‏كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبّرُواْ‏}‏ أي‏:‏ يدمروا ويهلكوا، وقال قطرب‏:‏ يهدموا، ومنه قول الشاعر‏:‏

فما الناسُ إلاّ عامِلان فَعَاملٌ *** يُتَبِّر ما يَبْنِي، وآخر رافع

وقرأ الباقون بالتحتية، وضم الهمزة، وإثبات واو بعدها على أن الفاعل عباد لنا ‏{‏مَا عَلَوْاْ‏}‏ أي‏:‏ ما غلبوا عليه من بلادكم، أو مدة علوهم ‏{‏تَتْبِيرًا‏}‏ أي‏:‏ تدميراً، ذكر المصدر إزالة للشك وتحقيقاً للخبر‏.‏ ‏{‏عسى رَبُّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ‏}‏ يا بني إسرائيل بعد انتقامه منكم في المرة الثانية‏.‏ ‏{‏وَإِنْ عُدتُّمْ‏}‏ للثالثة ‏{‏عُدْنَا‏}‏ إلى عقوبتكم‏.‏ قال أهل السير‏:‏ ثم إنهم عادوا إلى ما لا ينبغي وهو تكذيب محمد صلى الله عليه وسلم وكتمان ما ورد من بعثه في التوراة والإنجيل، فعاد الله إلى عقوبتهم على أيدي العرب، فجرى على بني قريظة والنضير وبني قينقاع وخيبر ما جرى من القتل والسبي والإجلاء وضرب الجزية على من بقي منهم، وضرب الذلة والمسكنة‏.‏

‏{‏وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ للكافرين حَصِيرًا‏}‏ وهو المحبس، فهو فعيل بمعنى فاعل أو مفعول‏.‏ والمعنى‏:‏ أنهم محبوسون في جهنم لا يتخلصون عنها أبداً‏.‏ قال الجوهري‏:‏ حصره يحصره حصراً‏:‏ ضيق عليه وأحاط به؛ وقيل‏:‏ فراشاً ومهاداً،- وأراد على هذا- بالحصير‏:‏ الحصير الذي يفرشه الناس ‏{‏إِنَّ هذا القرءان يِهْدِى لِلَّتِى هِىَ أَقْوَمُ‏}‏ يعني‏:‏ القرآن يهدي الناس الطريقة التي هي أقوم من غيرها من الطرق وهي ملة الإسلام، فالتي هي أقوم صفة لموصوف محذوف وهي الطريق‏.‏ وقال الزجاج‏:‏ للحال التي هي أقوم الحالات، وهي توحيد الله والإيمان برسله، وكذا قال الفراء‏.‏ ‏{‏وَيُبَشّرُ المؤمنين‏}‏ قرأ حمزة والكسائي ‏(‏يبشر‏)‏ بفتح الياء وضم الشين‏.‏ وقرأ الباقون بضم الياء وكسر الشين من التبشير أي‏:‏ يبشر بما اشتمل عليه من الوعد بالخير آجلاً وعاجلاً للمؤمنين ‏{‏الذين يَعْمَلُونَ الصالحات‏}‏ التي أرشد إلى عملها القرآن ‏{‏أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا‏}‏ أي‏:‏ بأنّ لهم‏.‏ ‏{‏وأَنَّ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالآخرة‏}‏ وأحكامها المبينة في القرآن ‏{‏أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً‏}‏ وهو عذاب النار، وهذه الجملة معطوفة على جملة يبشر بتقدير‏:‏ يخبر، أي‏:‏ ويخبر بأن الذين لا يؤمنون بالآخرة؛ وقيل‏:‏ معطوفة على قوله‏:‏ ‏{‏أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا‏}‏، ويراد بالتبشير‏:‏ مطلق الإخبار، أو يكون المراد منه معناه الحقيقي، ويكون الكلام مشتملاً على تبشير المؤمنين ببشارتين‏:‏ الأولى‏:‏ مالهم من الثواب، والثانية‏:‏ ما لأعدائهم من العقاب‏.‏ ‏{‏وَيَدْعُ الإنسان بالشر‏}‏ المراد بالإنسان هنا‏:‏ الجنس، لوقوع هذا الدعاء من بعض أفراده، وهو دعاء الرجل على نفسه وولده عند الضجر بما لا يحب أن يستجاب له ‏{‏دُعَاءهُ بالخير‏}‏ أي‏:‏ مثل دعائه لربه بالخير لنفسه ولأهله كطلب العافية والرزق ونحوهما، فلو استجاب الله دعاءه على نفسه بالشرّ هلك، لكنه لم يستجب تفضلاً منه ورحمة، ومثل ذلك ‏{‏وَلَوْ يُعَجّلُ الله لِلنَّاسِ الشر استعجالهم بالخير‏}‏ ‏[‏يونس‏:‏ 11‏]‏‏.‏ وقد تقدّم؛ وقيل‏:‏ المراد بالإنسان هنا القائل هذه المقالة‏:‏ هو الكافر يدعو لنفسه بالشرّ، وهو استعجال العذاب دعاءه بالخير كقول القائل‏:‏ ‏{‏اللهم إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مّنَ السماء أَوِ ائتنا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ‏}‏ ‏[‏الأنفال‏:‏ 32‏]‏‏.‏ وقيل‏:‏ هو أن يدعو في طلب المحظور كدعائه في طلب المباح، وحذفت الواو من ‏{‏ويدع الإنسان‏}‏ في رسم المصحف لعدم التلفظ بها لوقوع اللام الساكنة بعدها كقوله‏:‏ ‏{‏سَنَدْعُ الزبانية‏}‏ ‏[‏العلق‏:‏ 18‏]‏ و‏{‏وَيَمْحُ الله الباطل‏}‏ ‏[‏الشورى‏:‏ 24‏]‏ و‏{‏وَسَوْفَ يُؤْتِ الله المؤمنين‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 146‏]‏ ونحو ذلك‏.‏

‏{‏وَكَانَ الإنسان عَجُولاً‏}‏ أي‏:‏ مطبوعاً على العجلة، ومن عجلته‏:‏ أنه يسأل الشر كما يسأل الخير؛ وقيل‏:‏ إشارته إلى آدم عليه السلام حين نهض قبل أن تكمل فيه الروح، والمناسب للسياق هو الأوّل‏.‏

وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏وَقَضَيْنَا إلى بَنِى إسراءيل‏}‏ قال‏:‏ أعلمناهم‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عنه قال‏:‏ أخبرناهم‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عنه أيضاً‏:‏ ‏{‏وقَضَيْنَا إلى بَنِى إسراءيل‏}‏‏:‏ قضينا عليهم‏.‏ وأخرج ابن عساكر في تاريخه عن عليّ في قوله‏:‏ ‏{‏لَتُفْسِدُنَّ فِى الارض مَرَّتَيْنِ‏}‏ قال‏:‏ الأولى‏:‏ قتل زكريا، والآخرة‏:‏ قتل يحيى‏.‏ وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود في الآية، قال‏:‏ كان أوّل الفساد قتل زكريا، فبعث الله عليهم ملك النبط، ثم إن بني إسرائيل تجهزوا فغزوا النبط فأصابوا منهم، فذلك قوله‏:‏ ‏{‏ثم رَدَدْنَا لَكُمُ الكرة عَلَيْهِمْ‏}‏‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال‏:‏ بعث الله عليهم في الأولى جالوت، وبعث عليهم في المرة الأخرى بختنصر، فعادوا فسلط الله عليهم المؤمنين‏.‏ وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عنه ‏{‏فَجَاسُواْ‏}‏ قال‏:‏ فمشوا‏.‏ وأخرج ابن جرير عنه أيضاً قال‏:‏ ‏{‏تَتْبِيرًا‏}‏ تدميراً‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله‏:‏ ‏{‏عسى رَبُّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ‏}‏ قال‏:‏ كانت الرحمة التي وعدهم بعث محمد صلى الله عليه وسلم‏.‏ وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله‏:‏ ‏{‏وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا‏}‏ قال‏:‏ فعادوا فبعث الله سبحانه عليهم محمداً، فهم يعطون الجزية عن يد وهم صاغرون‏.‏ واعلم أنها قد اختلفت الروايات في تعيين الواقع منهم في المرّتين، وفي تعيين من سلطه الله عليهم، وفي كيفية الانتقام منهم، ولا يتعلق بذلك كثير فائدة‏.‏ وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ للكافرين حَصِيرًا‏}‏ قال‏:‏ سجنا‏.‏ وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عنه، قال‏:‏ معنى حصيراً‏:‏ جعل الله مأواهم فيها‏.‏ وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن الحسن في قوله‏:‏ ‏{‏حَصِيرًا‏}‏ قال‏:‏ فراشاً ومهاداً‏.‏ وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في قوله‏:‏ ‏{‏إِنَّ هذا القرءان يِهْدِى لِلَّتِى هِىَ أَقْوَمُ‏}‏ قال‏:‏ للتي هي أصوب‏.‏ وأخرج الحاكم عن ابن مسعود أنه كان يتلو كثيراً «إِنَّ هذا القرءان يِهْدِى لِلَّتِى هِىَ أَقْوَمُ وَيُبَشّرُ» بالتخفيف‏.‏ وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏وَيَدْعُ الإنسان بالشر دُعَاءهُ بالخير‏}‏ يعني قول الإنسان‏:‏ اللهم العنه واغضب عليه‏.‏ وأخرج ابن جرير عنه في قوله ‏{‏وَكَانَ الإنسان عَجُولاً‏}‏ قال‏:‏ ضجراً، لا صبر له على سرّاء ولا ضرّاء‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن عساكر عن سلمان الفارسي قال‏:‏ أوّل ما خلق الله من آدم رأسه، فجعل ينظر وهو يخلق وبقيت رجلاه، فلما كان بعد العصر قال‏:‏ يا ربّ أعجل قبل الليل، فذلك قوله‏:‏ ‏{‏وَكَانَ الإنسان عَجُولاً‏}‏‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏12- 17‏]‏

‏{‏وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آَيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آَيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آَيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا ‏(‏12‏)‏ وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا ‏(‏13‏)‏ اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا ‏(‏14‏)‏ مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا ‏(‏15‏)‏ وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا ‏(‏16‏)‏ وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا ‏(‏17‏)‏‏}‏

لما ذكر سبحانه دلائل النبوة والتوحيد، أكدها بدليل آخر من عجائب صنعه وبدائع خلقه فقال‏:‏ ‏{‏وَجَعَلْنَا اليل والنهار ءايَتَيْنِ‏}‏ وذلك لما فيهما من الإظلام والإنارة مع تعاقبهما وسائر ما اشتملا عليه من العجائب التي تحار في وصفها الأفهام، ومعنى كونهما آيتين أنهما يدلان على وجود الصانع وقدرته، وقدّم الليل على النهار لكونه الأصل‏.‏ ‏{‏فَمَحَوْنَا ءايَةَ اليل‏}‏ أي‏:‏ طمسنا نورها، وقد كان القمر كالشمس في الإنارة والضوء‏.‏ قيل‏:‏ ومن آثار المحو السواد الذي يرى في القمر، وقيل المراد بمحوها أنه سبحانه خلقها ممحوة الضوء مطموسة، وليس المراد أنه محاها بعد أن لم تكن كذلك ‏{‏وجعلنا آية النهار مبصرة‏}‏ أي‏:‏ جعل سبحانه شمسه مضيئة تبصر فيها الأشياء‏.‏ قال أبو عمرو بن العلاء والكسائي‏:‏ هو من قول العرب‏:‏ أبصر النهار إذا صار بحالة يبصر بها؛ وقيل‏:‏ مبصرة للناس من قوله أبصره فبصر‏.‏ فالأوّل وصف لها بحال أهلها، والثاني وصف لها بحال نفسها، وإضافة آية إلى الليل والنهار بيانية أي‏:‏ فمحونا الآية التي هي الليل والآية التي هي النهار كقولهم نفس الشيء وذاته‏.‏ ‏{‏لِتَبْتَغُواْ فَضْلاً مّن رَّبّكُمْ‏}‏ أي‏:‏ لتتوصلوا ببياض النهار إلى التصرف في وجوه المعاش، واللام متعلق بقوله‏:‏ ‏{‏وجعلنا آية النهار مبصرة‏}‏ أي‏:‏ جعلناها لتبتغوا فضلاً من ربكم أي‏:‏ رزقاً، إذ غالب تحصيل الأرزاق وقضاء الحوائج يكون بالنهار، ولم يذكر هنا السكون في الليل اكتفاء بما قاله في موضع آخر ‏{‏وَهُوَ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ اليل لِتَسْكُنُواْ فِيهِ والنهار مُبْصِراً‏}‏ ‏[‏يونس‏:‏ 67‏]‏‏.‏ ثم ذكر مصلحة أخرى في ذلك الجعل فقال‏:‏ ‏{‏وَلِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السنين والحساب‏}‏ وهذا متعلق بالفعلين جميعاً، أعني‏:‏ محونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة، لا بأحدهما فقط كالأوّل‏.‏ إذ لا يكون علم عدد السنين والحساب، إلاّ باختلاف الجديدين ومعرفة الأيام والشهور والسنين‏.‏ والفرق بين العدد والحساب‏:‏ أن العدد إحصاء ماله كمية بتكرير أمثاله من غير أن يتحصل منه شيء، والحساب إحصاء ماله كمية بتكرير أمثاله من حيث يتحصل بطائفة معينة منها حدّ معين منه له اسم خاص؛ فالسنة مثلاً إن وقع النظر إليها من حيث عدد أيامها فذلك هو العدد، وإن وقع النظر إليها من حيث تحققها وتحصلها من عدّة أشهر‏.‏ قد يحصل كل شهر من عدّة أيام، قد يحصل كل يوم من عدّة ساعات، قد تحصلت كل ساعة من عدّة دقائق، فذلك هو الحساب‏.‏ ‏{‏وَكُلَّ شَئ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً‏}‏ أي‏:‏ كل ما تفتقرون إليه في أمر دينكم ودنياكم بيناه تبييناً واضحاً لا يلتبس‏.‏ وعند ذلك تنزاح العلل وتزول الأعذار ‏{‏لّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيّنَةٍ‏}‏ ‏[‏الأنفال‏:‏ 42‏]‏‏.‏ ولهذا قال‏:‏ ‏{‏وَكُلَّ إنسان ألزمناه طَئِرَهُ فِى عُنُقِهِ‏}‏ قال أبو عبيدة‏:‏ الطائر عند العرب الحظ‏.‏

ويقال له البخت‏:‏ فالطائر ما وقع للشخص في الأزل بما هو نصيبه من العقل والعمل والعمر والرزق والسعادة والشقاوة؛ كأن طائراً يطير إليه من وكر الأزل وظلمات عالم الغيب طيراناً لا نهاية له ولا غاية إلى أن انتهى إلى ذلك الشخص في وقته المقدّر من غير خلاص ولا مناص‏.‏ وقال الأزهري‏:‏ الأصل في هذا أن الله سبحانه لما خلق آدم علم المطيع من ذريته والعاصي، فكتب ما علمه منهم أجمعين، وقضى سعادة من علمه مطيعاً وشقاوة من علمه عاصياً، فطار لكل منهم ما هو صائر إليه عند خلقه وإنشائه؛ وذلك قوله‏:‏ ‏{‏وَكُلَّ إنسان ألزمناه طَآئِرَهُ فِى عُنُقِهِ‏}‏ أي‏:‏ ما طار له في علم الله، وفي عنقه عبارة عن اللزوم، كلزوم القلادة العنق من بين ما يلبس‏.‏ قال الزجاج‏:‏ ذكر العنق عبارة عن اللزوم كلزوم القلادة العنق‏.‏ ‏{‏وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ القيامة كِتَابًا يلقاه مَنْشُوراً‏}‏‏.‏ قرأ ابن عباس، والحسن، ومجاهد، وابن محيصن، وأبو جعفر، ويعقوب ‏(‏ويخرج‏)‏ بالمثناة التحتية المفتوحة وبالراء المضمومة على معنى ويخرج له الطائر‏.‏ ‏{‏وكتاباً‏}‏ منصوب على الحال، ويجوز أن يكون المعنى‏:‏ يخرج لها الطائر فيصير كتاباً‏.‏ وقرأ يحيى بن وثاب ‏(‏يُخِرج‏)‏ بضم الياء وكسر الراء‏:‏ أي‏:‏ يخرج الله‏.‏ وقرأ شيبة ومحمد بن السميفع، وروي أيضاً عن أبي جعفر ‏(‏يُخرج‏)‏ بضم الياء وفتح الراء على البناء للمفعول أي‏:‏ ويخرج له الطائر كتاباً‏.‏ وقرأ الباقون ‏{‏ونخرج‏}‏ بالنون على أن المخرج هو الله سبحانه‏.‏ و‏{‏كتاباً‏}‏ مفعول به، واحتج أبو عمرو لهذه القراءة بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ألزمناه‏}‏‏.‏ وقرأ أبو جعفر، والحسن، وابن عامر ‏(‏يلقاه‏)‏ بضم الياء وفتح اللام وتشديد القاف، وقرأ الباقون بفتح الياء وسكون اللام وتخفيف القاف‏.‏ وإنما قال سبحانه‏:‏ ‏{‏يلقاه مَنْشُوراً‏}‏ تعجيلاً للبشرى بالحسنة وللتوبيخ على السيئة‏.‏ ‏{‏اقرأ كتابك‏}‏ أي نقول له‏:‏ إقرأ كتابك، أو قائلين له، قيل‏:‏ يقرأ ذلك الكتاب من كان قارئاً، ومن لم يكن قارئاً ‏{‏كفى بِنَفْسِكَ اليوم عَلَيْكَ حَسِيبًا‏}‏ الباء في‏:‏ ‏{‏بنفسك‏}‏ زائدة‏.‏ و‏{‏حسيباً‏}‏ تمييز، أي‏:‏ حاسباً‏.‏ قال سيبويه‏:‏ ضريب القادح بمعنى‏:‏ ضاربها، وصريم بمعنى صارم، ويجوز أن يكون الحسيب بمعنى الكافي، ثم وضع موضع الشهيد فعدّي ب ‏{‏على‏}‏، والنفس بمعنى الشخص، ويجوز أن يكون الحسيب بمعنى‏:‏ المحاسب كالشريك والجليس‏.‏ ‏{‏مَّنِ اهتدى فَإِنَّمَا يَهْتَدى لِنَفْسِهِ‏}‏ بين سبحانه أن ثواب العمل الصالح وعقاب ضدّه يختصان بفاعلهما لا يتعدان منه إلى غيره، فمن اهتدى بفعل ما أمره الله به وترك ما نهاه الله عنه، فإنما تعود منفعة ذلك إلى نفسه، ‏{‏وَمَن ضَلَّ‏}‏ عن طريق الحق فلم يفعل ما أمر به، ولم يترك ما نهي عنه ‏{‏فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا‏}‏ أي‏:‏ فإن وبال ضلاله واقع على نفسه لا يجاوزها، فكل أحد محاسب عن نفسه، مجزيّ بطاعته معاقب بمعصيته، ثم أكد هذا الكلام بأبلغ تأكيد فقال‏:‏ ‏{‏وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخرى‏}‏ والوزر الإثم، يقال‏:‏ وزر‏:‏ يزر وزراً ووزرة، أي‏:‏ إثما، والجمع أوزار، والوزر‏:‏ الثقل‏.‏

ومنه ‏{‏يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ على ظُهُورِهِمْ‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 31‏]‏ أي‏:‏ أثقال ذنوبهم‏.‏ ومعنى الآية‏:‏ لا تحمل نفس حاملة للوزر وزر نفس أخرى حتى تخلص الأخرى عن وزرها وتؤخذ به الأولى، وقد تقدّم مثل هذا في الأنعام‏.‏ قال الزجاج في تفسير هذه الآية‏:‏ إن الآثم والمذنب لا يؤاخذ بذنب غيره‏.‏ ‏{‏وَمَا كُنَّا مُعَذّبِينَ حتى نَبْعَثَ رَسُولاً‏}‏ لما ذكر سبحانه اختصاص المهتدي بهدايته، والضالّ بضلاله، وعدم مؤاخذة الإنسان بجناية غيره، ذكر أنه لا يعذب عباده إلاّ بعد الإعذار إليهم بإرسال رسله، وإنزال كتبه، فبين سبحانه أنه لم يتركهم سدًى، ولا يؤاخذهم قبل إقامة الحجة عليهم، والظاهر أنه لا يعذبهم لا في الدنيا ولا في الآخرة إلاّ بعد الإعذار إليهم بإرسال الرسل، وبه قالت طائفة من أهل العلم‏.‏ وذهب الجمهور إلى أن المنفي هنا هو عذاب الدنيا لا عذاب الآخرة‏.‏ ‏{‏وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا‏}‏ اختلف المفسرون في معنى ‏{‏أمرنا‏}‏ على قولين‏:‏ الأوّل أن المراد به الأمر الذي هو نقيض النهي، وعلى هذا اختلفوا في المأمور به، فالأكثر على أنه‏:‏ الطاعة والخير‏.‏ وقال في الكشاف‏:‏ معناه أمرناهم بالفسق ففسقوا، وأطال الكلام في تقرير هذا وتبعه المقتدون به في التفسير، وما ذكره هو ومن تابعه معارض بمثل قول القائل‏:‏ أمرته فعصاني، فإن كل من يعرف اللغة العربية يفهم من هذا أن المأمور به شيء غير المعصية، لأن المعصية منافية للأمر، مناقضة له، فكذلك‏:‏ أمرته ففسق يدل على أن المأمور به شيء غير الفسق؛ لأن الفسق عبارة عن الإتيان بضد المأمور به، فكونه فسقاً ينافي كونه مأموراً به ويناقضه‏.‏ القول الثاني أن معنى ‏{‏أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا‏}‏ أكثرنا فساقها‏.‏ قال الواحدي‏:‏ تقول العرب أمر القوم، إذا كثروا وأمرهم الله‏:‏ إذا أكثرهم‏.‏ وقد قرأ أبو عثمان النهدي، وأبو رجاء، وأبو العالية، والربيع، ومجاهد، والحسن ‏(‏أمَّرنا‏)‏ بتشديد الميم، أي‏:‏ جعلناهم أمراء مسلطين‏.‏ وقرأ الحسن أيضاً، وقتادة، وأبو حيوة الشامي، ويعقوب، وخارجة عن نافع، وحماد بن سلمة عن ابن كثير وعليّ وابن عباس‏:‏ ‏(‏آمرنا‏)‏ بالمدّ والتخفيف، أي‏:‏ أكثرنا جبابرتها وأمراءها، قاله الكسائي‏.‏ وقال أبو عبيدة‏:‏ «آمرته» بالمدّ و«أمرته» لغتان بمعنى كثرته، ومنه الحديث‏:‏ «خير المال مهرة مأمورة» أي‏:‏ كثيرة النتاج والنسل، وكذا قال ابن عزيز‏.‏ وقرأ الحسن أيضاً‏.‏ ويحيى بن يعمر ‏(‏أمرنا‏)‏ بالقصر وكسر الميم على معنى فعلنا، ورويت هذه القراءة عن ابن عباس‏.‏ قال قتادة والحسن‏:‏ المعنى أكثرنا‏.‏ وحكى نحوه أبو زيد وأبو عبيد وأنكره الكسائي وقال‏:‏ لا يقال من الكثرة إلاّ آمرنا بالمدّ‏.‏

قال في الصحاح‏:‏ وقال أبو الحسن أمر ماله بالكسر، أي‏:‏ كثر، وأمر القوم، أي‏:‏ كثروا، ومنه قول لبيد‏:‏

إن يُغْبَطُوا يَهْبِطُوا وَإنْ أمِرُوا *** يوماً يكن للهَلاكِ والفَنَدِ

وقرأ الجمهور ‏{‏أمرنا‏}‏ من الأمر، ومعناه ما قدّمنا في القول الأوّل، ومعنى ‏{‏مُتْرَفِيهَا‏}‏‏:‏ المنعمون الذين قد أبطرتهم النعمة وسعة العيش، والمفسرون يقولون في تفسير المترفين‏:‏ إنهم الجبارون المتسلطون، والملوك الجائرون، قالوا‏:‏ وإنما خصوا بالذكر لأن من عداهم أتباع لهم، ومعنى ‏{‏فسقوا فيها‏}‏‏:‏ خرجوا عن الطاعة وتمرضوا في كفرهم، لأن الفسوق الخروج إلى ما هو أفحش ‏{‏فَحَقَّ عَلَيْهَا القول‏}‏ أي ثبت وتحقق عليهم العذاب بعد ظهور فسقهم‏.‏ ‏{‏فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا‏}‏ أي‏:‏ تدميراً عظيماً لا يوقف على كنهه لشدته وعظم موقعه، وقد قيل في تأويل ‏{‏أمرنا‏}‏ بأنه مجاز عن الأمر الحامل لهم على الفسق، وهو إدرار النعم عليهم، وقيل أيضاً‏:‏ إن المراد ب ‏{‏أردنا أن نهلك قرية‏}‏ أنه قرب إهلاك قرية، وهو عدول عن الظاهر بدون ملجئ إليه‏.‏ ثم ذكر سبحانه أن هذه عادته الجارية مع القرون الخالية فقال‏:‏ ‏{‏وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ القرون‏}‏ أي‏:‏ كثيراً ما أهلكنا منهم، ف ‏{‏كم‏}‏ مفعول ‏{‏أهلكنا‏}‏، و‏{‏من القرون‏}‏ بيان ل ‏{‏كم‏}‏ وتمييز له؛ أي‏:‏ كم من قوم كفروا من بعد نوح كعاد وثمود، فحلّ بهم البوار ونزل بهم سوط العذاب‏؟‏ وفيه تخويف لكفار مكة‏.‏ ثم خاطب رسوله بما هو ردع للناس كافة فقال‏:‏ ‏{‏وكفى بِرَبّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرَا بَصِيرًا‏}‏ قال الفراء‏:‏ إنما يجوز إدخال الباء في المرفوع إذا كان يمدح به صاحبه أو يذم به، كقولك‏:‏ كفاك، وأكرم به رجلاً، وطاب بطعامك طعاماً، ولا يقال‏:‏ قام بأخيك، وأنت تريد‏:‏ قام أخوك‏.‏ وفي الآية بشارة عظيمة لأهل الطاعة وتخويف شديد لأهل المعصية، لأن العلم التام والخبرة الكاملة والبصيرة النافذة تقتضي إيصال الجزاء إلى مستحقه بحسب استحقاقه، ولا ينافيه مزيد التفضل على من هو أهل لذلك، والمراد بكونه سبحانه ‏{‏خبيراً بصيراً‏}‏ أنه محيط بحقائق الأشياء ظاهراً وباطناً لا تخفى عليه منها خافية‏.‏

وقد أخرج البيهقي في دلائل النبوّة، وابن عساكر عن سعيد المقبري‏:‏ أن عبد الله بن سلام سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن السواد الذي في القمر، فقال‏:‏ «كانا شمسين، قال الله ‏{‏وَجَعَلْنَا اليل والنهار ءايَتَيْنِ فَمَحَوْنَا ءايَةَ اليل‏}‏ فالسواد الذي رأيت هو المحو» وأخرج ابن جرير، وابن مردويه عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم معنى هذا بأطول منه‏.‏ قال السيوطي‏:‏ وإسناده واهٍ‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن الأنباري في المصاحف عن عليّ في قوله‏:‏ ‏{‏فَمَحَوْنَا ءايَةَ اليل‏}‏ قال‏:‏ هو السواد الذي في القمر‏.‏

وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عن ابن عباس نحوه‏.‏ وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله‏:‏ ‏{‏وجعلنا آية النهار مبصرة‏}‏ قال‏:‏ منيرة‏.‏ ‏{‏لِتَبْتَغُواْ فَضْلاً مّن رَّبّكُمْ‏}‏ قال‏:‏ جعل لكم سبحاً طويلاً‏.‏ وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏فَصَّلْنَاهُ‏}‏ قال‏:‏ بيناه‏.‏ وأخرج أحمد، وعبد بن حميد، وابن جرير بسندٍ حسن عن جابر سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"‏ طائر كل إنسان في عنقه ‏"‏ وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏ألزمناه طَآئِرَهُ فِى عُنُقِهِ‏}‏ قال‏:‏ سعادته وشقاوته وما قدّر الله له وعليه فهو لازمه أين كان‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر عن أنس في قوله‏:‏ ‏{‏طَئِرَهُ‏}‏ قال‏:‏ كتابه‏.‏ وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال‏:‏ عمله‏.‏ ‏{‏وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ القيامة كِتَابًا يلقاه مَنْشُوراً‏}‏ قال‏:‏ هو عمله الذي أحصي عليه، فأخرج له يوم القيامة ما كتب له من العمل فقرأه منشوراً‏.‏ وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله‏:‏ ‏{‏اقرأ كتابك‏}‏ قال‏:‏ سيقرأ يومئذٍ من لم يكن قارئاً في الدنيا‏.‏ وأخرج ابن عبد البرّ في التمهيد عن عائشة في قوله‏:‏ ‏{‏وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخرى‏}‏ قال‏:‏ سألت خديجة عن أولاد المشركين فقال‏:‏ «هم من آبائهم ‏"‏ ثم سألته بعد ذلك فقال‏:‏ الله أعلم بما كانوا عاملين، ثم سألته بعد ما استحكم الإسلام فنزلت ‏{‏وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخرى‏}‏ فقال‏:‏ ‏"‏ هم على الفطرة ‏"‏‏.‏ أو قال‏:‏ ‏"‏ في الجنة ‏"‏‏.‏ قال السيوطي‏:‏ وسنده ضعيف‏.‏ وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما‏:‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل فقيل له‏:‏ يا رسول الله إنا نصيب في البيات من ذراري المشركين، قال‏:‏ ‏"‏ هم منهم ‏"‏‏.‏ وفي ذلك أحاديث كثيرة وبحث طويل‏.‏ وقد ذكر ابن كثير في تفسير هذه الآية غالب الأحاديث الواردة في أطفال المشركين، ثم نقل كلام أهل العلم في المسألة فليرجع إليها‏.‏ وأخرج إسحاق بن راهويه، وأحمد، وابن حبان، وأبو نعيم في المعرفة، والطبراني، وابن مردويه، والبيهقي في كتاب الاعتقاد عن الأسود بن سريع، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏ أربعة يحتجون يوم القيامة‏:‏ رجل أصمّ لا يسمع شيئاً، ورجل أحمق، ورجل هرم، ورجل مات في الفترة ‏"‏، ثم قال‏:‏ ‏"‏ فيأخذ الله مواثيقهم ليطيعنه ويرسل إليهم رسولاً أن أدخلوا النار ‏"‏، قال‏:‏ ‏"‏ فوالذي نفس محمد بيده لو دخلوها لكانت عليهم برداً وسلاما، ومن لم يدخلها يسحب إليها ‏"‏، وإسناده عند أحمد، هكذا حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا معاذ بن هشام، حدثني أبي عن أبي قتادة، عن الأحنف بن قيس، عن الأسود بن سريع‏.‏

وأخرج نحوه إسحاق بن راهويه، وأحمد، وابن مردويه عن أبي هريرة، وهو عند أحمد بالإسناد المذكور عن قتادة، عن الحسن، عن أبي رافع، عن أبي هريرة‏.‏ وأخرج قاسم بن أصبع، والبزار، وأبو يعلى، وابن عبد البرّ في التمهيد عن أنس قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر نحوه‏.‏ وجعل مكان الأحمق المعتوه‏.‏ وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول، والطبراني وأبو نعيم عن معاذ بن جبل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ «يؤتى يوم القيامة بالممسوح عقلاً وبالهالك في الفترة، وبالهالك صغيراً» فذكر معناه مطولاً‏.‏ وأخرج ابن جرير من طريق ابن جريج عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا‏}‏ قال‏:‏ بطاعة الله فعصوا‏.‏ وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير مثله‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن شهر بن حوشب قال‏:‏ سمعت ابن عباس يقول في الآية‏:‏ ‏{‏أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا‏}‏ بحق فخالفوه، فحق عليهم بذلك التدمير‏.‏ وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في الأسماء والصفات عنه في الآية قال‏:‏ سلطنا شرارنا فعصوا، فإذا فعلوا ذلك، أهلكناهم بالعذاب، وهو كقوله‏:‏ ‏{‏وكذلك جَعَلْنَا فِي كُلّ قَرْيَةٍ أكابر مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُواْ فِيهَا‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 123‏]‏‏.‏ وأخرج البخاري، وابن مردويه عن ابن مسعود، قال‏:‏ كنا نقول للحى إذا كثروا في الجاهلية‏:‏ قد أمر بنو فلان‏.‏